الرحمة ، فمن ذا الذي يذمّها وقد آذنت ببينها ، ونادت بانقطاعها ، ونعت نفسها وأهلها ، فيا أيها الذامّ للدنيا ، المعتل بغرورها ، متى استذمّت إليك الدنيا ، ومتى غرّتك؟ أبمنازل آبائك من الثرى؟ أو بمضاجع أمهاتك من البلى؟ كم مرّضت بكفيك ، وعالجت بيدك (1) تبتغي له الشفاء ، وتستوصف له الأطباء ، لم تسعف له بطلبتك ، مثلت له الدنيا بعينها (2) ، وبمصرعه مصرعك غدا لا يغني بكاؤك ولا ينفعك أحباؤك.
ثم انصرف إلى القبور فقال :
يا أهل القبور ، يا أهل الضيق والوحدة ، يا أهل الغربة والوحشة ، أما الدور فقد سكنت ، وأمّا الأموال فقد قسمت ، وأما الأزواج فقد نكحت ، فهذا خير ما عندنا فما عندكم؟
ثم التفت إلى أصحابه فقال : إنا على ذلك ، فلو أذن لهم في الجواب لأجابوا : إنّ خير الزاد التقوى.
أخبرنا أبو منصور بن خيرون ، أنا أبو بكر الخطيب (3) ، حدّثني الحسن بن أبي طالب ، نا يوسف بن عمر القواس ، قال : قرئ على أحمد بن إسحاق بن بهلول وأنا أسمع ، قيل له : حدثكم محمّد بن عبد الله البصري بمكة ، نا الحسن بن أبان أبو محمّد البغدادي ، نا يسير (4) بن زاذان ، نا جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن آبائه قال :
كان علي بن أبي طالب في مسجد الكوفة ، فسمع رجلا يشتم الدنيا ، ويفحش في شتمها ، فقال له علي : اجلس ، فجلس ، فقال له : ما لي أسمعك تشتم الدنيا وتفحش في شتمها؟ أوليس هو الليل والنهار ، والشمس والقمر ، سامعين مطيعين ، فأنشأ علي يقول : إنّ الدنيا لمنزل صدق لمن صدقها ، ودار [بلاء](5) لمن فهم عنها ، وعافية لمن تزوّد منها ، منزل أحبّاء الله ، ومهبط وحيه ، ومصلّى ملائكته ، ومتّجر أوليائه ، اكتسبوا الجنة وربحوا فيها المغفرة ، فذمّها أقوام غداة الندامة وحمدها آخرون ، ذكرتهم فذكروا ، وحدثتهم فصدقوا ، فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ونادت بانقطاعها؟ راحت بفجيعة وابتكرت (6) بعاقبة تخويف (7)
__________________
(1) كذا بالأصل ، والأشبه : «بيديك» كما يقتضي السياق.
(2) كذا بالأصل.
(3) رواه الخطيب في تاريخ بغداد 7 / 287 في ترجمة أبي محمد الحسن بن أبان البغدادي.
(4) تاريخ بغداد : بشير بن زاذان.
(5) الزيادة عن تاريخ بغداد.
(6) كذا رسمها بالأصل والمطبوعة ، وفي تاريخ بغداد : وأسكرت بعاقبة.
(7) في المطبوعة : «وابتكرت بعافية ، وتخويفا وترهيبا». والمثبت يوافق عبارة تاريخ بغداد.




