وقال : انزل يا سلمان ، فحللت عيني ، ونزلت ، فإذا أرض قوراء لا ماء ولا شجر ، ولا عود ولا حجر ، فلمّا بان الفجر أقام علي الصّلاة ، وتقدّم وصلّى بنا أنا والشيخ ، ولا أزال أسمع الحس حتى إذا سلّم عليّ التفت فإذا خلق عظيم لا يسمعهم إلّا الخطيب الصيت الجهير ، فأقام علي يسبّح ربه حتى طلعت الشمس ، ثم قام بينهم خطيبا ، فخطبهم واعترضه منهم مردة ، فأقبل علي عليهم فقال : أفبالحق (1) تكذبون وعن القرآن تصدفون ، وبآيات الله تجحدون ، ثم رفع طرفه إلى السماء فقال : بالكلمة العظمى ، والأسماء الحسنى ، والعزائم الكبرى ، والحيّ القيوم محيي الموتى ، ورب الأرض والسماء ، يا حرسة الجن ، ورصدة الشياطين ، خدام الله الشراهاليين (2) ذوي الأرواح الطاهرة ، اهبطوا بالجمرة التي لا تطفى ، والشهاب الثاقب ، والشواظ المحرق ، والنحاس القاتل بألمص ، والذاريات ، وكهيعص ، والطواسين ، ويس ، ونون والقلم وما يسطرون ، والنجم إذا هوى ، والطور ، وكتاب مسطور في رق منشور ، والبيت المعمور ، والأقسام والأحكام ، ومواضع النجوم ، لما أسرعتم الانحدار إلى المردة المتولعين المتكبرين الجاحدين لآيات رب العالمين.
قال سلمان : فحسست بالأرض من تحتي ترتعد ، وسمعت في الهواء دويا شديدا ، ثم نزلت نار من السماء صعق لها كل من رآها من الجن ، وخرّت على وجوهها مغشيا عليها ، وخررت أنا على وجهي ، ثم أفقت فإذا دخان يفور من الأرض يحول بيني وبين النظر إلى عبثة (3) المردة من الجن ، فأقام الدخان طويلا بالأرض ، قال سلمان : فصاح بهم عليّ : ارفعوا رءوسكم فقد أهلك الله الظالمين ، ثم عاد إلى خطبته ، فقال : يا معشر الجن والشياطين والغيلان وبني شمراج (4) وبني (5) نجاح وسكان (6) الآجام والرمال والأقعار وجميع شياطين البلدان ، اعلموا أن الأرض قد ملئت عدلا كما كانت مملوءة جورا ، هذا هو الحق (فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)(7).
قال سلمان : فعجبت الجن لعلمه وانقادوا مذعنين له وقالوا : آمنا بالله وبرسوله ، وبرسول رسوله ، لا نكذب ، وأنت الصّادق المصدق.
__________________
(1) في «ز» ، وم : أبالحق تكذبون.
(2) كذا بالأصل ، وم ، و «ر» ، والمطبوعة.
(3) كذا بالأصل ، وم ، و «ز» ، والمطبوعة : «إلى عبثة» وفي المختصر : عتية المردة.
(4) في م : سمراخ.
(5) كذا بالأصل ، وفي «ز» : «وآل نجاح» وفي م : وكل نجاح.
(6) كذا بالأصل وم و «ز» ، وفي المطبوعة : سكان ، بدون واو.
(7) سورة يونس ، الآية : 32.




