مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 41 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 433 من 540

فكتبت بها علما كثيرا فقال لي رجل : منذ كم تكتب معنا الحديث؟ لقد كتبت علما كثيرا ، ولقد فاتك كلام رجل والنظر إليه ، قد لقي أنس بن مالك خادم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

قال : قلت : وأين مسكنه؟ قال : في رحبة اليهود بالبصرة ، قال : فانطلقت حتى أتيت قصره ، فإذا أنا بقصر مشيد ، له باب من حديد ، وعلى باب القصر مشايخ ما رأيت والله أجمل منهم ، ولا أكمل جمالا ، فلما رأيتهم هالني أمرهم ، فقدمت فسلّمت ، فردّوا علي السّلام ، ورحبوا وقربوا وأدنوا ، ثم قالوا : هل لك من حاجة؟ قال : قلت : نعم ، أنا شيخ من أهل الشام ، خرجت إلى بلدكم هذا في طلب العلم ، وأنا مقيم فيه من أربع حجج ، وقد بلغني عن والدكم أنه لقي أنس بن مالك ، خادم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «طوبى لمن رآني ، ومن رأى من رآني» [8318] ، وأبوكم قد رأى من رأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وخدم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالوا لي : نعم وكرامة ، إنّا ندخل عليه في كل غداة فنسلم (1) ولا ندخل إلّا من غد ، ولنا أخ هو أصغر منا سنا ، يكنى بأبي الطّيّب ، فنسأله يدخلك معه عليه ، على أنا نشرط عليك أن لا تتكلم ، تنظر إليه وهو لا ينظر إليك ، قال : فدعوت لهم ، فقالوا لي : أدخل إلى هذا المسجد ، فإذا صلّيت العصر ، فصر إلينا نسأله يدخلك.

قال : فنهضت ، فلما دخلت من باب المسجد شممت رائحة المسك ، وإنّ المسجد قد وزر بالخلوق والمسك والعنبر ، فسلّمت وصلّيت ركعتين ، وسألت الله عزوجل أن يسهّل لي النظر إلى وجه وليّه ، فلما فرغت من الدعاء فإذا بشيخ طويل القامة ، عظيم الهامة ، عليه جبّة صوف ، مقطوع الكمين ، مشدود وسطه بحبل من ليف ، على عاتقه مرّ ومجرفة وزنبيل (2) ، فوضع المر [و](3) المجرفة والزنبيل في زاوية المسجد ، ثم سلّم وكبّر وصلّى ركعة واحدة فقط ، قال : قلت : سبحان الله ، لعلّه قدسها ، فقال لي مجيبا : وبحمده ، قال : فقلت : رحمك الله ، إنّك لم تصلّ إلّا ركعة ، فقال : ركعة واحدة تجزئ تحية المسجد ، إنما هي تطوّع ، ليس هي فرض.

قال : قلت : رحمك الله ، من حدّثك أنّ ركعة تجزئ تحية المسجد؟ قال : مولاي صاحب هذا القصر.

قال : قلت : ومملوك أنت؟ قال : كنت مملوكا ، ولكن أعتق الله رقبتي منذ خمسين سنة

__________________

(1) بالأصل : «فنسلمه أو لا تدخل» والتصويب عن م والمختصر.

(2) مكانها في المختصر : «ورسل» تصحيف ، وفي م كالأصل.

(3) الزيادة عن م ، اقتضاها السياق.

الصفحة 433 من 540