مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 41 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 404 من 540

وكثرة تعبه في طلبها ، وما يكابد من أسقامها وأوصابها (1) وآلامها.

وما قد نرى في كل يوم وليلة  

 

يروح علينا صرفها ويباكر  

تعاورنا آفاتها وهمومها  

 

وكم قد ترى يبقى لها المتعاور  

فلا هو مغبوط بدنياه آمن  

 

ولا هو عن بطلانها النفس قاصر  

كم قد (2) غرت الدنيا من مخلد إليها ، وصرعت من مكب عليها ، فلم تنعشه من غرته ، ولم تقمه من صرعته ، ولم تشفه من ألمه ، ولم تبره من سقمه؟

بلى أوردته بعد عزّ ومنعة  

 

موارد سوء ما لهنّ مصادر  

فلما رأى أن لا نجاة وأنه  

 

هو الموت لا ينجيه منه التحاذر  

تندم إذ لم تغن عنه ندامة  

 

عليه وأبكته الذنوب الكبائر  

بكى على ما سلف من خطاياه ، وتحسر على ما خلف من دنياه ، حين لا ينفعه الاستعبار ، ولا ينجيه الاعتذار ، عند هول المنية ونزول البلية.

أحاطت به أحزانه وهمومه  

 

وأبلس لما أعجزته المعاذر  

فليس له من كربة الموت فارج  

 

وليس له مما يحاذر ناصر  

وقد جشأت خوف المنية نفسه  

 

ترددها منه اللها والحناجر  

هنالك خف عن عواده ، وأسلمه أهله وأولاده ، فارتفعت الرنة (3) بالعويل ، وأيسوا من برء العليل ، فغمضوا بأيديهم عينيه ، ومدّوا عند خروج نفسه رجليه.

فكم موجع يبكي عليه ومفجع  

 

ومستنجد صبرا وما هو صابر  

ومسترجع داع له الله مخلصا  

 

يعدد منه خير ما هو ذاكر  

وكم شامت مستبشر بوفاته  

 

وعما قليل كالذي صار صائر  

فشق جيوبها نساؤه ، ولطم خدودها إماؤه ، وأعول لفقده جيرانه ، وتوجع لرزئه إخوانه ، ثم أقبلوا على جهازه ، وشمروا لإبرازه.

وظل أحب القوم كان لقربه  

 

يحث على تجهيزه ويبادر  

وشمّر من قد أحضروه لغسله  

 

ووجه لما قام للقبر حافر  

وكفّن في ثوبين واجتمعت له  

 

مشيعة إخوانه والعشائر  

__________________

(1) الأوصاب جمع وصب ، المرض.

(2) «قد» ليست في «ز».

(3) الرنة ، الصوت ، رنّ يرن رنينا : صاح (القاموس).

الصفحة 404 من 540