بها ، ثم أراحها الليلة الثانية فوق ذلك قليلا ، فجعل يضربه ويكلّمونه فيه ، فلما كان اليوم الثالث قال : يا بني إذا سرّحتها [فصح](1) في أدبارها وأمّ بها المدينة فإن لقيك لاق من قومك أو من غيرهم ، فقل : أريد الكلأ تعذّر علينا ما حولنا ، فلما جاء الوقت الذي كان يروح فيه لم يأت الغلام ، فجعل أبوه يتوقعه ويقول لأصحابه : العجب لحبس ابني ، فيقول بعضهم : نخرج يا أبا طريف فنتعقبه (2) فيقول : لا والله ، فلما أصبح تهيأ ليغدو فقال قومه : نغدو معك ، فقال : لا يغدون (3) معي منكم أحد ، إنكم إن رأيتموه حلتم بيني وبين أن أضربه ، وقد عصى أمري كما قد ترون ، أقول له : تروح الإبل لسفر قليل ، يأتي بها عتمة وليلة يعزب (4) بها ، فخرج على بعير له سريعا حتى لحق ابنه ، ثم حدر النعم المدينة ، فلما كان ببطن قناة (5) لقيته خيل لأبي بكر الصديق عليها عبد الله بن مسعود ، ويقال محمّد بن مسلمة وهو أثبت عندنا فلما دخلوا إليه ابتدروه ، فأخذوه ، وما كان معه ، وقالوا له : أين الفوارس الذين كانوا معك؟ فقال : ما معي أحد ، فقالوا : بلى ، لقد كان معك فوارس ، فلما رأوا (6) تغيبوا فقال ابن مسعود أو محمّد بن مسلمة : خلّوا عنه ، فما كذب وما كذبتم ، أعوان الله كانوا معه ، ولم يرهم (7) ، فكانت أول صدقة قدم بها على أبي بكر الصديق ، قدم عليه بثلاثمائة بعير.
ولما أسلم عدي بن حاتم أراد أن يرجع إلى بلاده فبعث إليه [رسول الله صلىاللهعليهوسلم يتعذر من الزاد ويقول : والله ما أصبح عند آل محمّد سفة (8) من طعام ، ولكنك ترجع ويكون خير ، فلما قدم على أبي بكر أعطاه ثلاثين فريضة ، فقال عدي : يا خليفة](9) رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنت إليها اليوم أحوج ، وأنا عنها غني ، فقال أبو بكر : خذها أيها الرجل ، فإنّي سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يتعذر إليك ويقول : ترجع ويكون خير ، فقد رجعت وجاء الله بخير ، فأنا منفذ ما وعد رسول الله صلىاللهعليهوسلم في حياته ، فأنفذها ، فقال عدي : آخذها الآن فهي عطية من
__________________
(1) عن م وتهذيب الكمال ، سقطت من الأصل.
(2) كذا بالأصل ، وفي م : فتبغيه ، وفوقها ضبة ، وفي المختصر : «فنبنعثه» وفي تهذيب الكمال : فنتبعه.
(3) الأصل : ليغدون ، والمثبت عن م وتهذيب الكمال.
(4) الأصل وم بدون إعجام ، وفي تهذيب الكمال : «يغرب بها» والمثبت عن المختصر ، ويعزب بها : أي يبعد بها.
(كما في اللسان : عزب).
(5) بطن قناة : قناة واد بالمدينة (معجم البلدان).
(6) كذا بالأصل وم ، وفي تهذيب الكمال : رأونا.
(7) الأصل : نرهم. والمثبت عن تهذيب الكمال.
(8) السفة : القبضة من القمح وغيره (تاج العروس بتحقيقنا : سفف).
(9) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك للإيضاح عن م.




