وحنين ، وقد كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم أمر مصدّقيه أن يأخذوا العفو منهم ويتوقّوا كرائم أموالهم ، فقدم المصدّق على النبي صلىاللهعليهوسلم فأخبره الخبر ، وقال : يا رسول الله إنما كنت في ثلاثة نفر ، فوثبت خزاعة على التميميين فأخرجوهم من محالهم ، وقالوا : لو لا قرابتكم ما وصلتم إلى بلادكم ، ليدخلن علينا بلاء من عداوة محمّد وعلى أنفسكم حيث تعرضون لرسل رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، تردونهم على صدقات أموالنا ، فخرجوا راجعين إلى بلادهم ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «من لهؤلاء القوم الذين فعلوا ما فعلوا؟» فانتدب أول الناس عيينة (1) بن حصن الفزاري فقال : أنا والله لهم ، أتبع آثارهم ولو بلغوا ببرين (2) حتى آتيك بهم إن شاء الله ، فترى فيهم رأيك أو يسلموا ، فبعثه رسول الله صلىاللهعليهوسلم في خمسين فارسا من العرب ، ليس فيها مهاجر واحد ولا أنصاري ، فكان يسير بالليل ويكمن لهم بالنهار ، خرج على ركوبة حتى انتهى إلى العرج (3) ، فوجد خبرهم أنهم قد عارضوا إلى أرض بني سليم ، فخرج في أثرهم حتى وجدهم قد عدلوا من السّقيا يؤمون أرض بني سليم في صحراء ، قد حلوا وسرحوا مواشيهم ، والبيوت خلوف ليس فيها أحد إلّا النساء ونفير ، فلما رأوا الجمع ولوا وأخذوا منهم أحد عشر رجلا ، ووجدوا في المحلة من النساء إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا ، فجلبهم إلى المدينة ، فأمر بهم النبي صلىاللهعليهوسلم فحبسوا في دار رملة بنت الحارث ، فقدم منهم عشرة من رؤسائهم : العطارد بن حاجب بن زرارة ، والزبرقان بن بدر ، وقيس بن عاصم ، وقيس بن الحارث ، ونعيم بن سعد ، وعمرو بن الأهتم ، والأقرع بن حابس ، ورياح بن الحارث بن مجاشع (4) ، فدخلوا المسجد قبل الظهر ، فلما دخلوا سألوا عن سبيهم فأخبر بهم فجاءوهم فبكى الذراري والنساء ، فرجعوا حتى دخلوا المسجد ثانية ، ورسول الله صلىاللهعليهوسلم يومئذ في بيت عائشة ، وقد أذّن بلال بالظهر بالأذان الأول ، والناس ينتظرون خروج رسول الله صلىاللهعليهوسلم فعجلوا خروجه ، فنادوا : يا محمّد ، أخرج إلينا ، فقام إليهم بلال فقال : إن رسول الله صلىاللهعليهوسلم يخرج الآن. فاشتهر (5) أهل المسجد أصواتهم ، فجعلوا يخفقون بأيديهم ، فخرج رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأقام بلال الصلاة ، وتعلقوا به يكلمونه ، فوقف رسول الله صلىاللهعليهوسلم معهم بعد إقامة بلال الصلاة مليّا ، وهم يقولون : أتيناك بخطيبنا وشاعرنا فاستمع منا ، فتبسم النبي صلىاللهعليهوسلم ثمّ مضى فصلّى
__________________
(1) الأصل : عتيبة ، والتصويب عن م والواقدي.
(2) ببرين : رمل معروف في ديار بني سعد بن تميم (معجم ما استعجم) ، وفي معجم البلدان : من أصقاع البحرين.
(3) العرج : موضع بين مكة والمدينة ، قيل : على أربعة أميال من المدينة.
(4) تقدم أنهم عشرة ، والأسماء التي ذكرت ثمانية فقط (؟!).
(5) الأصل : «فاستشهد» واللفظة غير واضحة في م لسوء التصوير ، والمثبت عن المختصر ومغازي الواقدي.




