مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 40 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 220 من 546

فما تركا من رقيّة تعلمانها  

 

ولا سلوة إلّا بها سقياني  

فقالا : شفاك الله والله ما لنا  

 

بما حمّلت منك الضلوع يدان  

قال : ثم شهق شهقة خفيفة ، فنظرت فإذا هو قد مات ، فقلت : أيتها العجوز ما أظن هذا النائم بفناء بيتك إلّا قد مات ، فقالت : نفسه والله نفسه ثلاث مرات ، فدخلني من ذلك ما لا يعلمه إلّا الله ، واغتممت وخفت أن يكون موته لكلامي ، فلما رأت العجوز جزعي قالت : هوّن عليك ، فإنّه قد مات بأجله واستراح مما كان فيه ، وقدم على رب غفور ، فهل لك في استكمال الأجر ، هذه الأبيات منك غير بعيد. تأتيهم ، فتنعاه لهم ، وتسألهم حضوره فاسترحت إلى قولها ، ووثبت فركبت فأتيت أبياتا منهم على قدر ميل ، فنعيته إليهم وحفظت الشعر ، فجعل الرجل بعد الرجل يسترجع إذا أخبرته ، فبينما أنا أدور إذا بامرأة كأنها الشمس طالعة ، فقالت : أيها الناعي بفيك الكثكث (1) ، بفيك الحجر ، من تنعي؟ قلت : عروة بن حزام ، قالت : بالذي أرسل محمّدا بالحق واصطفاه بالنبوة هل مات؟ قلت : نعم ، قالت : ما ذا فعل قبل موته؟ فأنشدتها الشعر ، فو الله ما نهنهت أن قالت (2)

عداني (3) أن أزورك يا خليلي  

 

معاشر كلهم واش حسود  

أشاعوا ما سمعت من الدواهي  

 

وعابونا وما فيهم رشيد  

فأما إذا ثوبت اليوم لحدا  

 

ودور الناس كلهم لحود  

فلا طابت لي الدنيا فواقا (4)  

 

ولا لهم ولا أثري عديد (5)  

ثم مضت معي ومع القوم تصيح وتولول حتى انتهينا إليه ، فغسّلناه وكفّناه وصلّينا عليه وقبرناه. فجاءت فأكبت على قبره.

وحركت مطيتي ، وقدمت الشام ، فدخلت على يزيد بن معاوية ، فدفعت الكتاب ، وأخبرته بالأمر الذي قدمت له : فسألني عن أمور الناس وقال لي : هل رأيت في طريقك شيئا تحدثني؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، رأيت عجبا من العجب. وحدثته الحديث ، فاستوى

__________________

(1) الكثكث : دقاق التراب وفتات الحجارة ، وقيل : التراب مع الحجارة.

(2) الأبيات في عيون الأخبار 4 / 129 ونهاية الأرب 2 / 201 ط. دار الكتب المصرية.

(3) عداني : صرفني وشغلني.

(4) الفواق بالضم والفتح : قدر ما بين الحلبتين من الوقت.

(5) في عيون الأخبار : العبيد.

الصفحة 220 من 546