ثم شهق شهقة خفيفة ، كانت نفسه فيها ، فقمت فنظرت في وجهه ، فإذا هو قد مات ، فقلت أيتها العجوز ، من هذا الشاب الراقد بفناء بيتك ، هذا ، فقد مات؟ فقالت : وأنا والله أرى ذلك ، فقامت فنظرت في وجهه ، وقالت : فاظ ورب محمّد ، قلت : أيتها العجوز ، من هذا الشاب؟ قالت : هذا عروة بن حزام الضّنّي وأنا أمه. قلت : فما بلغ به ما أرى؟ قالت : الحب ، والله ما سمعت له كلمة ولا أنّة منذ سنة حتى كان في صدر هذا اليوم فإني سمعته يقول (1) :
من كان من أمهاتي (2) باكيا أبدا |
| فاليوم إني أراني اليوم مقبوضا |
يسمعننيه (3) فإني غير سامعه |
| إذا علوت رقاب القوم معروضا |
قال : فما قمت عنده حتى غسّلته ، وكفنته ، وصليت عليه ، ودفنته.
قلت : يا صاحب رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ما دعاك إلى ذلك؟ قال : احتساب الأجر فيه.
أخبرنا أبو بكر محمّد بن الحسين ، أنا أبو علي الحسن بن أحمد [بن] عبد الله بن البنّا ، أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر بن الحمّامي ، أنبأ أحمد بن جعفر الختّلي ، نا أبو دلف الخزاعي ، ثنا الرياشي ، نا عمرو بن بكير ، نا الهيثم بن عدي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : حدّثني النعمان بن بشير ، قال :
استعملني عمر بن الخطاب أو قال : عثمان ، شك الهيثم على صدقات سعد هذيم وعذرة ، وسلامان وضنّة والحارث وهم قضاعة فلما قبضت الصدقة وقسمتها من أهلها أقبلت بالسهمين الباقيين إلى عمر أو عثمان ، فلما كنت بعد ذلك في أيام يزيد ببلاد عذرة في حي منهم يقال لهم : بنو هند ، إذا أنا ببيت حريد منفرد عن الحيّ ، جاحش عن الحيّ ، فملت إليه ، فإذا عجوز جالسة عند كسر البيت ، وإذا شاب نائم في ظل البيت ، فلما دنوت وسلّمت ترنّم بصوت له ضعيف ثمّ قال :
بذلت لعرّاف اليمامة حكمه |
| وعرّاف حجر إن هما شفياني |
فقالا : نعم ، نشفي من الداء كلّه |
| وقاما مع العوّاد يبتدران |
نعم وبلى ، قالا : متى كنت هكذا؟ |
| ليستخبراني قلت : منذ زمان |
__________________
(1) البيتان في الأغاني 24 / 163 والشعر والشعراء ص 398 وذيل الأمالي 157.
(2) الشعر والشعراء : أخواتي.
(3) إعجامها مضطرب بالأصل ، وفي م : سمعته ، والمثبت عن المصدرين.




