مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 39 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 198 من 542

ما فيكم مثل أبي عبد الله ، أوليس زوّجه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، [ثم] أتاه جبريل فقال حين أوعز إليه وهو في المقبرة : يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تزوّج عثمان أختها؟ وكيف لا أقول هذا وقد جهّز أبو عبد الله جيش العسرة ، وهيّأ للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم سخينة (1) أو نحوها ، فأقبل بها في صحفته وهي تفور ، فوضعها تلقاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «كلوا من حافتها ولا تهدّوا ذروتها ، فإن البركة تنزل من فوقها» ، ونهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يأكل الطعام سخنا جدا ، فلما أكل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم السخينة أو نحوها من سمن وعسل وطحين ، فمدّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يده إلى فاطر البرية تبارك وتعالى ، ثم قال : «غفر الله لك يا عثمان ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ، وما أسررت وما أعلنت ، اللهمّ لا تنس هذا اليوم لعثمان».

قال علي رحمه‌الله : معشر المهاجرين تعلمون أنّ بعير أبي جهل ندّ (2) فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعمر : «يا عمر ائتنا بالبعير» ، فانطلق البعير إلى عير أبي سفيان ، وكانت عليه حلقة مزموم بها من ذهب ، وقال آخرون من فضة ، وعليه جلّ مدبّج (3) كان لأبي جهل ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعمر : «ائتنا بالبعير» ، فقال عمر : يا رسول الله إنّ من هناك يعني ملأ قريش عديّ أقلّ ذاك فعلم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أن العدد والمادة لعبد مناف ، فوجّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعثمان إلى عير أبي سفيان ليأتي بالبعير ، فانطلق عثمان على قعوده (4) ، وكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم معجبا به جدا ، حتى أتى بالبعير ، فإن أبا سفيان فقام إليه مبجّلا معظّما وقد احتبى بملاءته (5) فقال أبو سفيان : كيف خلّفت ابن عبد الله؟ فقال له عثمان : من هامات قريش وذروتها وسنام قناعسها (6) يا أبا سفيان هو علم من أعلامها ، يا أبا سفيان سماه محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم سماء ماطرة ، وبحاره زاخرة ، وغيومه هماعة (7) ودلاؤه رفاغة يا أبا سفيان ، فلا عري من محمّد فخرنا ، ولا قصم بزوال محمّد ظهرنا.

فأنشأ أبو سفيان فقال : يا أبا عبد الله ، أكرم بابن عبد الله ذاك الوجه كأنه ورقة

__________________

(1) السخينة : طعام يعمل من دقيق ولبن ، أو دقيق وسمن أو دقيق وتمر ، وقد عيّرت قريش بها لأنها كانت تكثر من عملها وأكلها.

(2) أي شرد.

(3) الجلّ : بضم الجيم وفتحها ، الذي تلبسه الدابة لفصان به ، والمدبج : المزين.

(4) القعود من الإبل هو البكر حين يمكن ظهره من الركوب.

(5) احتبى بملاءته : احتبى الرجل ضم رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره.

(6) قناعس جمع قنعاس مثل مفاتح جمع مفتاح ، وهو العظيم الضخم من الإبل.

(7) أي ماطرة ، سحاب همع : ماطر.

الصفحة 198 من 542