مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 38 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 381 من 459

لقيني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة قبل الهجرة فدعاني إلى الإسلام ، فقلت : يا محمّد العجب لك حيث تطمع أن أتبعك ، وقد خالفت دين قومك وجئت بدين محدث ، ففرّقت جماعتهم وألفتهم ، وأذهبت بهاءهم فانصرف ، وكنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس ، فأقبل يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس ، فغلظت عليه ، ونلت منه ، وحلم عني ، ثم قال : «يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت» ، فقلت : لقد أهلكت قريش يومئذ وذلّت ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «بل عمرت وعزّت يومئذ» ، ودخل الكعبة ، فوقعت كلمته مني موقعا ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال ، فأردت الإسلام ومقاربة محمّد ، فإذا قومي يزبرونني (1) زبرا شديدا ، ويزرون برأيي فأمسكت عن ذكره ، فلما هاجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى المدينة جعلت قريش تشفق من رجوعه عليها ، فهم على ما هم عليه حتى جاء النّفير إلى بدر ، فخرجت فيمن خرج من قومنا وشهدت المشاهد كلها معهم على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما دخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مكة عام القضية غيّر الله قلبي عما كان عليه ، ودخلني الإسلام ، وجعلت أفكّر فيما نحن عليه ، وما نعبد من حجر لا يسمع ولا يبصر ، ولا ينفع ولا يضرّ ، وأنظر إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه ، وظلف (2) أنفسهم عن الدنيا ، فيقع ذلك مني ، فأقول ما عمل القوم إلّا على الثواب لما يكون بعد الموت ، وجعلت أحبّ النظر إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أن رأيته خارجا من باب بني شيبة يريد منزله بالأبطح ، فأردت أن آتيه وآخذ بيده وأسلم عليه فلم يعزم لي على ذلك ، وانصرف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم راجعا إلى المدينة ، ثم عزم لي على الخروج إليه ، فأدلجت إلى بطن يأجج (3) فألقى خالد بن الوليد. فاصطحبنا حتى نزلنا الهدة (4) ، فما شعرنا إلّا بعمرو بن العاص ، فانقمعنا منه وانقمع منا ، ثم قال : أين يريد الرجلان؟ فأخبرناه فقال : وأنا أريد الذي تريدان ، فاصطحبنا جميعا حى قدمنا المدينة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فبايعته على الإسلام ، وأقمت معه حتى خرجت معه في غزوة الفتح ، ودخل مكة ، فقال لي : «يا عثمان ، ائت بالمفتاح» ، فأتيته به ، فأخذه مني ثم دفعه إليّ مضطبعا عليه بثوبه وقال : «خذها تالدة خالدة لا ينزعها منكم إلّا ظالم ، يا عثمان ، إن الله استأمنكم على بيته ، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف» قال عثمان : فلما ولّيت ناداني إليه ، فقال : «ألم يكن الذي قلت لك؟» قال : فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة : «لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث

__________________

(1) الزبر : الانتهار ، والمنع ، والنهي (القاموس المحيط).

(2) ظلف نفسه عنه يظلفها : منعها عن أن تفعله أو تأتيه ، أو كفها عنه. (القاموس المحيط).

(3) يأجج : موضع على ثمانية أميال من مكة (معجم البلدان).

(4) الهدة بالتحريك ، موضع بأعلى مرّ الظهران على مرحلة من مكة (معجم البلدان).

الصفحة 381 من 459