مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 38 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 254 من 459

القتال ، فيأبون ، فحمي فنزل فلبس درعه وطلبوا له بيضة ، فقدر عليه ، فلم يوجد في الجيش بيضة تسع رأسه من عظم هامته ، فلمّا رأى ذلك اعتجر ثم برز بين أخيه شيبة وبين ابنه الوليد بن عتبة ، فبينا أبو جهل في الصفّ على فرس أثنى ، فلما حاذى بعتبة سلّ عتبة سيفه ، فقيل : هو والله يقتله ، فضرب بالسيف عرقوبي فرس أبي جهل فاكتسعت (1) الفرس ، فقلت : ما رأيت كاليوم ، قالوا : قال عتبة : انزل ، فإن هذا اليوم ليس بيوم ركوب ، ليس كل قومك راكبا ، فنزل أبو جهل وعتبة يقول : ستعلم أينا أشأم عشيرته الغداة ، فدعا عتبة إلى المبارزة ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في العريش وأصحابه على صفوفهم ، فاضطجع فغشيه نوم غلبه ، وقال : لا تقاتلوا حتى أوذنكم ، وإن كثبوكم فارموهم ولا تسلّوا السيوف حتى يغشوكم.

قال أبو بكر : يا رسول الله قد دنا القوم ، وقد نالوا منا ، فاستيقظ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد أراه الله في منامه قليلا وقلّل بعضهم في أعين بعض ، ففزع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو رافع يده يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول : «اللهم إن تظهر عليّ هذه العصابة [يظهر الشرك](2) ولا يقم لك دين» وأبو بكر يقول : والله لينصرنك الله ، وليبيضنّ وجهك.

وقال ابن رواحة : يا رسول الله إنّي أشير عليك ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعظم وأعلم بالأمر أن يشار عليه ، إن الله أجل وأعظم من أن ينشد وعده ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا ابن رواحة ألا أنشد الله وعده؟ إنّ الله لا يخلف الميعاد».

وأقبل عتبة يعمد إلى القتال ، فقال له حكيم بن حزام : أبا الوليد ، مهلا ، مهلا ، تنهى عن شيء وتكون أوله ، وقال خفاف بن إيماء : فرأيت أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم بدر وقد تصافّ الناس وتزاحفوا ، فرأيت أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يسلّون السيوف وقد انتضوا القسي ، وقد تترّس بعضهم عن بعض بصفوف متقاربة لا فرج بينها والآخرون قد سلّوا السيوف حين طلعوا ، فعجبت من ذلك ، فسألت عن ذلك رجلا من المهاجرين فقال : أمرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن لا نسلّ السيوف حتى يغشونا.

قالوا : فلما تزاحف الناس قال الأسود بن عبد الأسد المخزومي حين دنا من الحوض : أعاهد الله لأشربن من حوضهم ، أو لأهدمنه ، أو لأموتن دونه ، فشدّ الأسود بن عبد الأسد حتى دنا من الحوض ، فاستقبله حمزة بن عبد المطلب ، فضربه وأطنّ قدمه ، فزحف الأسود

__________________

(1) اكتسعت الفرس : سقطت من ناحية مؤخرها ورمت بما عليها.

(2) ما بين معكوفتين زيادة عن م ومغازي الواقدي.

الصفحة 254 من 459