مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 37 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 487 من 502

قالوا : فأنت بالخيار ، إن بذل لك شيء بين أخذه أو تركه ، قالت : لا حاجة لي بشيء من هذا ، إن كان هذا أوله قالوا : فلا بد من أن تنطلقين إليه ، قالت : فإنّي ما أنهض على كره إلّا لواحدة ، قالوا : وما هي؟ قالت : أرى وجها هو جناح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعضو من أعضائه ، ثم قامت فحملوها على دابّة من دوابه ، فلما صارت إليه سلّمت عليه ، فردّ عليها‌السلام ، وقرّب مجلسها ، وقال لها : ممن أنت؟ قالت : أنا من كلب ، قال لها : فكيف حالك؟ قالت : أجد الفائت واستمريه ، وأهجع أكثر الليل ، وأرى قرة العين من ولد بارّ وكنة رضية ، فلم يبق من الدنيا شيء إلّا وقد وجدته وأخذته ، وإنّما انتظر أن تأخذني ، قال : ما أعجب أمرك كله ، قالت : قضى عليّ أول عجبة ، قال : بذلك لنا ما كان في حوائك ، فرفعت رأسها إلى القيّم فقالت : هذا ما قلت لك ، قال عبيد الله : وما قالت لك؟ فأخبره ، فازداد تعجبا ، وقال : خبريني ، فما ادّخرت لبنيك إذا .... (1) قالت : ما قال حاتم طيئ (2) :

ولقد أبيت على الطّوى وأطلبه  

 

حتى أنال به كريم المأكل  

فازداد منها عبيد الله تعجبا ، وقال : أرأيت لو انصرف بنوك وهم جياع ولا شيء عندك ما كنت تصنعين بهم؟ قالت : يا هذا ، لقد عظمت هذه الخبزة عندك ، وفي عينك حتى أن صرت لتكثر (3) فيها مقالك ، وتشغل بذكرها بالك ، اله (4) عن هذا وما أشبهه ، فإنه يفسد النفس ويؤثر (5) في الحسن ، فازداد تعجبا ، ثم قال لغلامه : انطلق إلى فنائها (6) فإذا أقبل بنوها فجئني بهم ، فقالت العجوز : أما إنهم لا يأتوك إلّا بشريطة ، قال : وما هي؟ قالت : لا تذكر لهم ما ذكرته لي ، فإنّهم شباب أحداث تحركهم الكلمة ، ولا آمن بوادرهم إليك ، وأنت في هذا البيت الرفيع ، والشرف العالي ، فإذا نحن من أشرّ العرب جوارا ، فازداد عبيد الله تعجبا ، وقال : سأفعل ما أمرت به.

فقالت العجوز للغلام : انطلق فاقعد بحذاء الخباء الذي رأيتني في ظله ، فإذا أقبل ثلاثة ، أحدهم دائم الطرف نحو الأرض قليل الحركة ، كثير السكون ، فذاك الذي إذا خاصم أفصح ، وإذا طلب أنجح ، والآخر دائم النظر ، كثير الحذر (7) ، له أبهة قد كملت من حسبه ، وأثرت من

__________________

(1) رسمها غير واضح بالأصل ونميل إلى قراءتها : انصرفوا ، واللفظة غير ظاهرة في م من سوء التصوير.

(2) ليس في ديوانه ط بيروت.

(3) اللفظة غير مقروءة في الأصل ، والمثبت عن م.

(4) كذا رسمها بالأصل ، وتقرأ في م : «بال».

(5) عن م وبالأصل : وتؤثر.

(6) اللفظة غير معجمة بالأصل ورسمها : «منالها» وتقرأ في م : قبائها ولعلنا وفقنا فيما أثبتناه.

(7) إعجامها مضطرب بالأصل ، والمثبت عن م.

الصفحة 487 من 502