ويقال : بعث أبو جعفر جرير بن يزيد (1) بن عبد الله إلى أبي مسلم.
قال الأشناني : هذه الأوراق وجدته (2) مما قد سقط من كتابي ، لم يكتبه الوراق الذي كتب كتابي ، وقد قرأ علي بن عمران ولم أسمعه فيما سمعته منه ، وقد سمعه منه غيري :
فلما صار أبو مسلم بحلوان جرت بينه وبين أبي جعفر رسل فمن كتب أبي جعفر إلى أبي مسلم (3) :
أما بعد ، فإنه يرين على القلوب ، وتطبع عليها المعاصي ، فقع أيها الطائر (4) ، وأفق أيها السكران ، وانتبه أيها الحالم ، فإنّك مغرور بأضغاث أحلام كاذبة ، وفي برزخ دنيا قد غرّت قبلك ، وسحر بها سوالف القرون فهل (تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ ، أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً)(5) وأن الله تعالى لا يعجزه من هرب ، ولا يفوته من طلب ، ولا تغرر بمن معك من شيعتي وأهل دعوتي ، فكأنهم قد صاولوك (6) إن أنت خلعت الطاعة ، وفارقت الجماعة ، فبدا لك عند ذلك من الله ما لم تكن تحتسب ، فمهلا مهلا ، احذر البغي ، أبا مسلم ، فإنه من بغى واعتدى تخلّى الله عنه ونصر عليه من يصرعه باليدين والفم (7) ، واحذر أن تكون سنة في الذين خلوا من قبل (8) ، فقد قامت الحجة ، وأعذرت إليك وإلى أهل طاعتي فيك ، قال الله تعالى : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ)(9).
فأجابه أبو مسلم (10).
أما بعد ، فقد قرأت كتابك ، فرأيتك فيه للصواب مجانبا ، وعن الحق حائدا إذ تضرب فيه الأمثال على غير أشكالها ، وتضرب لي فيه آيات منزلة من الله في الكافرين ، وما يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، وإنّي والله ما انسلخت من آيات الله ، ولكني يا عبد الله بن محمّد كنت رجلا متأولا فيكم القرآن آيات أوجبت لكم بها الولاية والطاعة ، فأتممت بأخوين لك من
__________________
(1) في تاريخ خليفة : جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله.
(2) كذا بالأصل وم.
(3) راجع الكتاب في البداية والنهاية بتحقيقنا 10 / 73 وسير أعلام النبلاء 6 / 67.
(4) البداية والنهاية : فع أيها الطائش.
(5) سورة مريم ، الآية : 98.
(6) في م : إذ.
(7) البداية والنهاية وسير أعلام النبلاء : لليدين وللفم.
(8) البداية والنهاية : قبلك.
(9) سورة الأعراف ، الآية : 174.
(10) نص الكتاب في البداية والنهاية بتحقيقنا 10 / 73 وسير أعلام النبلاء 6 / 67 و68.




