لما ورد أبو مسلم نيسابور على إكاف على حمار وليس معه آدمي قصد في بعض الليالي دار الفادوستان ، فدق عليه الباب ، ففزع أصحابه وخرجوا إليه ، فقال لأصحابه : قولوا للدهقان : إن أبا مسلم بالباب يطلب منك ألف درهم ودابّة ، فدخلوا على صاحبهم ، فسأل عنه في أي زي هو؟ وأي عدة؟ فأخبروه أنه وجده بأدون زي ، فسكت ساعة ثم دعا بألف درهم ودابة من خواص دوابّه ، وأذن له ، ثم قال : يا أبا مسلم ، قد أسعفناك بما طلبته ، وإن عرضت حاجة أخرى فنحن بين يديك ، فقال : ما ضاع لك ما فعلته ، ولم يزده عليه ، فخرج إلى أقاربه بأصبهان وجمع عشيرته ، وكان من أمره ما كان ، فقال له بعض أقاربه : إن فتحت بنيسابور اجتمع لك كل ما أردته من مال الدهقان المجوسي بها ، فقال : كذلك عندنا يد ، فلما انصرف إلى نيسابور وافقته هدايا الفادوستان قبلها ، قيل له : لا تقبلها واطلب منه الأموال ، فقال : له عندنا يد ، ثم لم يتعرض ولا لأحد من أصحابه وأمواله حتى انصرف إلى مرو.
أخبرنا أبوا (1) الحسن ، قالا : نا وأبو النجم ، أنا أبو بكر الخطيب (2) ، نا الأزهري ، نا محمّد بن جعفر النجاد ، نا أبو أحمد الجلودي ، نا محمّد بن زكوية ، قال :
روي لنا أن أبا مسلم صاحب الدولة قال : ارتديت الصبر ، وآثرت الكتمان ، وحالفت (3) الأحزان والأشجان ، وسامحت المقادير والأحكام ، حتى بلغت غاية همتي ، وأدركت نهاية بغيتي ، ثم أنشأ يقول :
قد نلت (4) بالحزم (5) والكتمان ما عجزت |
| عنه ملوك بني مروان (6) إذ حشدوا |
ما زلت أضربهم بالسيف فانتبهوا |
| من رقدة (7) لم ينمها قبلهم أحد |
طفقت أسعى عليهم في ديارهم |
| والقوم في ملكهم (8) بالشام قد رقدوا |
ومن رعى غنما في أرض مسبعة |
| ونام عنها تولى رعيها الأسد |
__________________
(1) الأصل : «أبو» تحريف والصواب ما أثبت ، والسند معروف.
(2) تاريخ بغداد 10 / 208 ومن طريق أبي أحمد الجلودي في سير أعلام النبلاء 6 / 53 والبداية والنهاية (بتحقيقنا 10 / 77) ووفيات الأعيان 3 / 152 والكامل لابن الأثير 5 / 480.
(3) في م : خالفت.
(4) في وفيات الأعيان : أدركت بالحزم.
(5) البداية والنهاية : بالعزم.
(6) في م : بني ساسان.
(7) في الوفيات : حتى ضربتهم ... من نومه.
(8) في الوفيات :
ما زلت أسعى بجهدي في دمارهم |
| والقوم في غفلة ......... |




