3956 عبد الرّحمن بن مروان بن سالم بن المبارك
أبو محمّد التّنوخي المعرّي الواعظ المعروف بابن المنجم (1)
كان أبوه منجما رأيته يجلس على الطريق ، وكان عبد الرّحمن ينشد في صباه في الأسواق ، ويمشي على الدكاكين ، وكان في صوته شجى ، ثم خرج عن دمشق وهو شاب ، وغاب عنها مدة ثم رجع إليها ، فكان يعظ في الأعزية ، ثم وعظ بعد ذلك على الكرسي ، ورزق قبولا ، واكتسب بالوعظ مالا ، ثم خرج إلى العراق ، وأقام ببغداد مدة وأظهر الزهد ، وأظهر له بها سوق ، وكان يعرف ببغداد بالدمشقي ، ثم رجع في آخر عمره إلى دمشق ، ووعظ بها ونفقت سوقه ، ومع ذلك لم ينزل الواعظ في الأعزية.
وحكى بعض من حضر مجلسه أنه أتاه يوما صغير يتوب على يديه ، فأخذه ووعظه ، ووضعه على كتفه وقال :
هذا صغير ما أتى صغيرة |
| فهل كبير ركب الكبائر (2) |
فضج (3) أهل المجلس بالبكاء ، وكان يظهر لكل طائفة أنهم منهم حرصا على التحصيل ، وحضرنا عزاء أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله في الجامع بدمشق حين أتانا الخبر بموته فقام في التعزية ورثاه بأبيات ، فخلع عليه صدر المجلس ثوبه ، فتذكر عادته في الكدية ، وعرّج عما كان فيه من التعزية إلى استدعاء موافقة الحاضرين له في خلع ثيابهم ، فخلع [عليه](4) بعضهم ، وقال ذلك اليوم : أنا المعزي لا المعزي (5) ، وذكر أشياء أضحك الحاضرين ، فقلت له بعد نهوضنا من العزاء : أخرجت العزاء عن معناه ، وجعلته مضحكة ، فقال من أراد التقرب إليه بقوله وأنه هو أضحك وأبكى ، فقلت له : لكلّ مقام مقال ، وليس هذا موضع هذا ، فسكت.
وحضرت مجلس وعظه يوما واحدا في المسجد الجامع ، فسمعته ينشد شعرا لنفسه لم يحضرني ذكره (6).
__________________
(1) أخباره في خريدة القصر (قسم الشام) 2 / 92 وفوات الوفيات 2 / 300 والوافي بالوفيات 18 / 266 وشذرات الذهب 4 / 178.
(2) الوافي بالوفيات ، وفي الفوات : كبيرة.
(3) في م : فصاح.
(4) زيادة اقتضاها السياق.
(5) كذا بالأصل ، وفي م : «المقرى لا المقرى» والعبارة في الوافي بالوفيات : فقال ذلك اليوم فيه العماد الكاتب : المعرّي لا المعرّي ، يعني بضم الميم لا فتحها.
(6) انظر نماذج من شعره وردت في خريدة القصر 2 / 97 وما بعدها والوافي بالوفيات 18 / 268 269.




