فقلت : يا أمير المؤمنين وأزيدك بيتا من عندي فقال : فقال لي : هات : فقلت :
وإن غدوت ظالما غدا معك
أعطه (1) لهذا البيت ألف دينار.
فما برحت من موقفي حتى أخذت خمسة آلاف دينار (2).
قال : ونا المعافى ، نا عبد الباقي بن نافع ، نا محمّد بن زكريا الغلابي ، نا مهدي بن سابق قال (3) : دخل المأمون يوما ديوان الخراج فمرّ بغلام جميل على أذنه قلم ، فأعجبه ما رأى من حسنه فقال : من أنت يا غلام؟ فقال الناشئ في دولتك ، وخرّيج أدبك يا أمير المؤمنين ، المتقلّب في نعمتك ، والمؤمّل بخدمتك الحسن بن رجاء.
فقال المأمون : يا غلام بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول.
ثم أمر أن يرفع عن مرتبة الديوان ، وأمر له بمائة ألف درهم.
أخبرنا أبو غالب بن البنّا ، أنا أبو يعلى بن الفرّاء ، أنا أبو أحمد عبيد الله بن محمّد بن أحمد الفرضي إجازة نا أبو بكر محمّد بن يحيى الصولي ، نا محمّد بن موسى البربري ، نا أبو عبد الله بن أبي الأسود ، حدّثني محمّد بن العبّاس قال :
جاء رجل من الشعراء إلى المأمون فأنشده :
تمرّ بك الأموال غير مقيمة |
| إلى الجود إلّا أن تكون على رحل |
فما لك مجتاز ، وجودك موطن |
| ولا تنبت (4) الأموال والجود في رحل |
فاستحسن المأمون ذلك وأعطاه صلة سنية.
__________________
(1) بالأصل : أعطيه.
(2) عقب المعافى بن زكريا على الخبر : قال القاضي : فإن قال قائل : كيف أعطى المأمون على قوله :
فإن غدوت ظالما غدا معك
ولم وافقه على تصويب مساعدة الظالم وممالأته ، قيل : إنه لم يظهر في قول هذا القائل ما يوجب مظافرة الظالم في عمله ، وقوله : غدا معك ، يتجه فيه أن يكون معناه غدا معك ليكفك عن الظلم بالوعظ لك والرفق بك والاستعطاف على ما تسوّل لك نفسك ظلمه ، فيصرفك عن الظلم ، ويثنيك عن معرة الإثم.
وقد جاء عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» فقل له : يا رسول الله ، أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال : تحجبه عن الظلم فذلك نصرك إياه.
(3) الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 210 220) ص 234 من طريق محمد بن زكريا الغلابي.
(4) الأصل : تثبت ، والمثبت عن المطبوعة.




