أعيذك بالله منه يا أمير المؤمنين ، قال : فما كذب الرجل أن وقف على المأمون ، فقال له المأمون : من أردت يا صاحب الكفن ، وإلى من قصدت؟ قال : إيّاك أردت ، قال : أو عرفتني؟ قال : لو لم أعرفك ما قصدتك ، قال : أفلا سلّمت عليّ؟ قال : لا أرى السّلام عليك ، قال : ولم؟ قال : لإفسادك علينا الغزاة ، قال عجيف : وأنا ألين مسّ (1) سيفي لئلا يبطئ ضرب عنقه ، إذا التفت المأمون فقال : يا عجيف إنّي جائع ، ولا رأي لجائع ، فخذه إليك حتى أتغدى وأدعو به ، قال : فتناوله عجيف فوضعه بين يديه ، فلما صار المأمون إلى رحله دعا بالطعام ، فلما وضع بين يديه أمر برفعه وقال : والله ما أسيغه حتى أناظر خصمي ، يا عجيف عليّ بصاحب الكفن ، قال : فلمّا جلس بين يديه قال : هيه يا صاحب الكفن ما ذا قلت؟ قال : قلت : لا أرى السّلام عليك لإفسادك الغزاة علينا ، قال : بما ذا أفسدتها ، قال : بإطلاقتك الخمور تباع في عسكرك ، وقد حرّمها الله في كتابه ، فابدأ بعسكرك ثم اقصد الغزو ، لما ذا استحللت أن تبيح شيئا حرّمه الله كهيئة ما أحل الله ، قال : أو عرفت الخمر أنها تباع ظاهرا ورأيتها؟ قال : لو لم أرها وتصح عندي ما وقفت هذا الموقف ، قال : شيء سوى الخمر أنكرته؟ قال : نعم ، إظهارك الجواري في العماريّات وكشفهن الشعور منهن بين أيدينا كأنهن فلق الأقمار ، خرج الرجل منا يريد أن يهراق دمه في سبيل الله ، ويعقر جواده قاصدا نحو العدو ، فإذا نظر إليهن أفسدن قلبه ، وركن إلى الدنيا وانصاع إليها ، فلم استحللت ذلك يعني؟ قال : ما استحللت ذاك ، وسأخبرك بالعذر فيه ، فإن كان صوابا وإلّا رجعت يعني ، ثم قال : شيئا غير هذا أنكرته؟ قال : نعم ، شيء أمرت [به](2) تنهانا عن الأمر بالمعروف ، قال (3) : أمّا الذي يأمر بالمنكر فإنّي أنهاه ، وأمّا الذي يأمر بالمعروف فإنّي أحثّه على ذلك وأحدوه عليه (4). أفشيء سوى ذلك؟ قالا : لا ، قال : يا صاحب الكفن ، أمّا الخمر فلعمري قد حرّمها الله ، ولكن الخمر لا تعرف إلّا بثلاث جوارح : بالنظر ، والشمّ والذوق ، أفتشربها؟ قال : معاذ الله أن أنكر ما أشرب ، قال : أفيمكن في وقتك هكذا أن نقصّى على بيعها حتّى نوجّه معك من يشتريها؟ قال : ومن يظهرها لي أو يبيعها (5) بعينها وعليّ هذا الكفن؟ قال : صدقت ، قال : فكأنك إذا عرفتها بهاتين الجارحتين ، يا عجيف عليّ بقوارير فيها شراب ، فانطلق عجيف ، فأتاه بعشرين قارورة فوقفها (6) بين يديه ، في أيدي عشرين وصيفا ثم قال : يا صاحب الكفن ، نفيت من آبائي
__________________
(1) المطبوعة : متن.
(2) الزيادة عن الجليس الصالح.
(3) بعدها في الجليس الصالح : ثم قال.
(4) الجليس الصالح : تقفنا.
(5) الجليس الصالح : أو يبيعنيها وعليّ هذا الكفن.
(6) الجليس الصالح : فوضعها.




