قال القاضي : ثم رجعنا إلى تمام الشعر شعر ابن عبدل وبقية الخبر المتضمن له :
إنّي رأيت الفتى الكريم إذا |
| رغبته في صنيعة رغبا |
والعبد لا يطلب العلاء ولا |
| يعطيك شيئا إلّا إذا رهبا (1) |
مثل (2) الحمار الموقّع (3) السوء لا |
| يحسن شيئا إلّا إذا ضربا |
ولم أجد عروة العلائق (4) إلّا |
| الدين لما اختبرت (5) والحسبا |
قد يرزق الخافض المقيم وما |
| شدّ بعنس رحلا ولا قتبا (6) |
ويحرم الرزق ذو المطية والر |
| حل ومن لا يزال مغتربا |
قال : أحسنت يا نضر ، أفعندك ضد هذا؟ قلت : نعم ، أحسن منه ، قال : هاته ، فأنشدته :
يد المعروف غنم حيث كانت |
| تحمّلها كفور أو شكور |
فقال : أحسنت يا نضر ، وأخذ القرطاس فكتب شيئا لا أدري ما هو ثم قال : كيف تقول : أفعل من التراب؟ قلت : أترب ، قال : الطين : قلت : طن ، قال : فالكتاب ما ذا قلت : مترب مطين قال : هذه أحسن من الأولى.
قال فكتب لي بخمسين ألف درهم ثم أمر الخادم أن يوصله إلى الفضل بن سهل ، فمضيت معه ، فلما قرأ الكتاب قال : يا نضر لحّنت أمير المؤمنين قلت : كلا ولكنّ هشيما (7) لحّانة ، فأمر لي بثلاثين ألفا فخرجت إلى منزلي بثمانين ألفا ، وقال لي الفضل : يا نضر حدّثني عن الخليل بن أحمد ، قلت :
حدّثني الخليل بن أحمد قال : أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم ما رأيت ، وكان على سطح أو سطيح فلما رأيناه أشرنا إليه بالسّلام ، فقال : استووا فلم ندر ما قال ، فقال لنا شيخ عنده : يقول لكم : ارتفعوا ، فقال الخليل : هذا من قول الله عزوجل : (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ)(8) ثم ارتفع ثم قال : هل لكم من خبز فطير ، ولبن هجير ، وماء نمير فلما
__________________
(1) الجليس الصالح : ضربا.
(2) البيت ليس في الجليس الصالح.
(3) الموقع : الذي في ظهره سحج ، وقيل : في أطراف عظامه من الركوب ، وربما انحص عنه الشعر.
(4) الجليس الصالح : «الخلائق» وفي الأغاني 16 / 215 : عدة الخلائق.
(5) الأغاني : اعتبرت.
(6) الخافض : الوادع الذي لم يحدث نفسه بتجوال وارتحال.
والقتب : الرحل.
(7) عن الجليس الصالح وبالأصل : هشيم.
(8) سورة فصلت ، الآية : 11.




