مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 33 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 294 من 454

أحب الصفي فيما يرويه الناس بالصاد (1) ، لأن الصّفي يكون للملك دون السوقة ، والضفي بالضاد أبلغ في المعنى لأنها الغزيرة اللبن.

قال القاضي : والذي حكي في هذا عن بندار قريب وجائز أن يكون الصفيّ بمعنى الشيء الذي يختار ويصطفى ، وإن كان مصطفيه غير ملك ، لأن صفي المال إنما وسم بهذه السمة لأن الملك اصطفاه لنفسه ، وجائز أن يصطفيه الملك ثم يصير لبعض السوقة ، وجائز أن يقال للشيء الكريم صفيّ ، بمعنى أنه لنفاسته مما يصطفيه الملوك ، ويصلح أن يصطفوه ، فيعبر عنه بذلك قبل أن يصطفي ، كما قال الله عزوجل (وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا)(2) فسماهم شهداء قبل أن يشهدوا ، وكقوله : (إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً)(3) وكانت الملوك قبل الإسلام تصطفي من الغنيمة علقا منها كريما ، أو غرّة مستراة لأنفسها فتأخذه دون الجيش ، وفي ذلك يقول الشاعر (4) :

لك المرباع منها والصفايا  

 

وحكمك والنشيطة والفضول  

يعني بالمرباع ربع الغنيمة ، والصفايا جمع صفية وهي ما ذكرنا ، وقوله : وحكمك أي ما تتحكم فيه وتحكم به. والنشيطة ما تنشطته من المغنم ، فتأخذه ، والفضول ما فضل عن القسمة أو كان القسم لا يحتمله ، ثم جعل الله لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما غنمه المسلمون من المشركين الخمس ولذوي القربى من رهطه ومن سمّي معهم ، فحط ما جعل له عن قدر ما كانت الملوك تأخذه قبله ، تطييبا لنفوس أصحابه وتوكيدا لما نزهه عن أخذ الأجر على ما جاء به.

وروي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «ما لي في هذا المال إلّا الخمس وهو مردود فيكم» [6885] ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يأخذ منه (5) حاجته لمئونته ومئونة أهله ، ويصرف باقي ما أخلص له ، وهو خمس الخمس في الكراع (6) والسلاح ، وما كان تأييدا للدين وعتادا لنوائب المسلمين ، وكان له صلى‌الله‌عليه‌وسلم الصفيّ أيضا ، وكان يأخذه من أصل الغنيمة ، وروي أنه أغار (7) على بني المصطلق وهم غارّون ، فقتل مقاتلتهم وسبا ذراريهم ، واصطفى منهم جويرية بنت الحارث.

__________________

(1) كذا بالأصل والمطبوعة ، وفي الجليس الصالح : الضفي ، بالضاد ، وفيه فيما سيأتي : «الصفي بالصاد».

(2) سورة البقرة ، الآية : 282.

(3) سورة يوسف ، الآية : 36.

(4) البيت لعبد الله بن عنمة يرثي عمه بسطام بن قيس (اللسان : ربع صفا).

(5) بالأصل : حاجته منه ، وفوق اللفظتين علامتا تقديم وتأخير.

(6) الكراع : اسم يجمع الخيل والسلاح.

(7) بعدها في الجليس الصالح : صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

الصفحة 294 من 454