عبد الملك فمرّ بمعبد (1) المغنّي فقال له : معبد : الصحبة يا أبا عثمان ، قال : ما أحب أن تنصحني (2) ، تقول وفود العرب هذا ابن الذي حمت لحمه الدبر والغسيل معبد معه مغنّ ، قال : لا بدّ والله من الصحبة ، فلما أبى إلّا أن يصحبه ذهب ، فلما نزل البلقاء ، وهي من الشام ، أصابهم مطر من الليل ، فأصبحت الغدر مملوءة ، فقال الأحوص : لو أقمنا اليوم هاهنا ، فتغدّينا على هذا الغدير ، ففعلا ، ورفع لهما قصر لم يريا بناء غيره ، فلما أصبحوا خرجت جارية معها جرّة إلى غدير من تلك الغدر ، فملأت جرّتها ، فلما رفعتها وحضرت (3) بها رمت بالجرّة فكسرتها ، فقال معبد للأحوص : أرأيت ما رأيت وما صنعت هذه؟ قال : نعم ، فأرسل إليها الأحوص بعض غلمانه فقال : ما حملك على ما صنعت ، فقد رأينا الذي صنعت؟ قالت : إنّي طربت ، قال : وما أطربك؟ قالت : ذكرت صوتا كنا نغني به أنا وصواحب لي بالمدينة فأطربتني (4) فكسرت الجرة ، قال : وما الصوت قالت :
يا بيت عاتكة التي أتعزّل |
| حذر العدى وبه الفؤاد موكّل |
قال : ولمن هذا الشعر؟ قالت : للأحوص الأنصاري ، قال : والغناء؟ قالت : لمعبد ، فقالا لها : أفتعرفينا؟ قالت : لا ، قال : فأنا الأحوص وهذا معبد ، لمن كنت بالمدينة؟ قالت : لآل فلان ، اشترتني (5) أهل هذا القصر فصرت هاهنا ما أرى أحدا غيرهم ، وقالت : فإنّ لي حاجة قالا : ما حاجتك؟ قالت لمعبد : تغنّيني قال الأحوص لمعبد : غنّها ، قال فجعلت تقترح ويغنّيها حتى قضت حاجتها ثم قالا لها : أتحبّين أن نعمل لك في الخروج من هاهنا؟ قالت : نعم ، قالا : (6) : فإن نحن فعلنا أتشكريننا؟ قالت : نعم (7) ، فلما قدما على يزيد بن عبد الملك ودخلا عليه قال الأحوص : يا أمير المؤمنين إني رأيت في مسيرنا عجبا ، نزلنا إلى البلقاء فرأينا جارية ، وقصّ عليه قصّتها ، قال : أفتعرفها؟ قال : نعم ، فسمّاها وأهلها وموضعها ، وقال : يا أمير المؤمنين أنا الذي أقول فيها :
إنّ زين الغدير من كسير (8) الجرّ |
| وغنى غنّاء فحل مجيد |
قلت : من أنت يا ظعين؟ فقالت : |
| كنت فيما مضى لآل الوليد |
__________________
(1) عن الجليس الصالح وبالأصل : بعبد.
(2) كذا ، وفي الجليس الصالح : تصحبني.
(3) كذا بالأصل ، وفي الجليس الصالح : ومضت بها.
(4) الجليس الصالح : فأطربني.
(5) الجليس الصالح : اشتراني.
(6) ما بين الرقمين ليس في الجليس الصالح.
(7) ما بين الرقمين ليس في الجليس الصالح.
(8) الجليس الصالح : كسر.




