مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 30 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 437 من 460

منهاج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كنت خليفته حقا ، لم تنازع ، ولم تصدّ بزعم المنافقين ، وصغر الفاسقين ، وغيظ الكافرين ، وكره الحاسدين ، قمت بالأمر حين فشلوا ، ونطقت حين تقبّضوا ، ومضيت بنور الله إذ وقفوا واتّبعوك فهدوا ، وكنت أخفضهم صوتا ، وأعلاهم فوقا (1) ، وأطولهم صمتا وأصوبهم نطقا ، وأبلغهم كلاما ، وأكثرهم أناة وأشرحهم قلبا ، وأشدّهم نفسا ، وأسدّهم (2) عقلا ، وأعرفهم بالأمور ، كنت أولا حين تفرق عنه ، وآخرا حين فشلوا ، كنت للمؤمنين أبا رحيما ، صاروا عليك عيالا ، تحملت أثقال ما عنه ضعفوا ، وحفظت ما أضاعوا ، ورعيت ما أهملوا ، وعلوت إذ هلعوا (3) ، وصبرت إذ جزعوا ، فأدركت آثار ما طلبوا ، ونالوا بك ما لم يحتسبوا ، كنت على الكفار عذابا واصبا ، وللمسلمين غناء وحصنا ، فطرت بغنائها ، وذهبت (4) بفضائلها ، وأحرزت سوابقها ، لم تقلل حجّتك ، ولم يزغ قلبك ، ولم تضعف بصيرتك ، ولم تجبن نفسك كنت كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف ، كنت كما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم آمن الناس في صحبتك وذات يدك ، عونا في أمر الله ، متواضعا في نفسك ، عظيما عند الله ، خليلا في الأرض كبيرا عند المؤمنين ، لم يكن لأحد فيك مطمع ، ولا لقائل مغمز ولا لأحد عندك هوادة. الضعيف الذليل عندك قوي حتى تأخذ له بحقه ، والقويّ العزيز عندك ذليل حتى تأخذ منه الحق ، فالعزيز والضعيف عندك سواء في ذلك ، شأنك الحق والرفق ، قولك حق وحتم وأمرك احتياط وحزم.

أقلعت وقد نهج (5) السبيل ، وسهل العسير ، وأطفئت النيران ، وقوي الإسلام ، فظهر أمر الله ولو كره المشركون ، سبقت والله سبقا بعيدا ، وأتبعت من بعدك إتعابا شديدا ، وفزت بالحق فوزا مبينا ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون ، رضينا عن الله قضاءه ، وسلمنا له أمره ، لن يصاب (6) المسلمون بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمثلك ، أبدا كنت للدين عزا وكهفا ، وللمسلمين حصنا ، وعلى المنافقين غيظا ، فالحمد لله ، لا حرمنا الله أجرك ، ولا أضلّنا بعدك.

__________________

(1) الفوق موضع الوتر من السهم ، استعاره وعنى أنك أكثرهم حظا ونصيبا من الدين.

(2) أسدّ : أصاب السداد ، أو طلبه ، والسداد : الاستقامة ، والصواب من القول والعمل. (القاموس).

(3) عن م والكلمة غير واضحة بالأصل.

(4) عن م وبالأصل : ووهبت.

(5) عن م ، واللفظة غير واضحة بالأصل. ونهج السبيل : وضح.

(6) عن م وبالأصل : أن تصاب.

الصفحة 437 من 460