ذاك ابن الخطاب ، لله درّ أمّ حملت به ودرّت عليه ، لقد أوجدت به فذبح (1) الكفرة وفتحها (2) ، وشرّد الشرك شذر مذر ، ويعج الأرض فنجعها (3) ، حتى فائت أكلها ترأمه ، ويصدّعنها ، وتصدى له ، فيأباها ، وتريده ويصدق عنها ، ثم فرّغ فيها فيئها ، ثم تركها كما صحبها فأروني ما ذا ترتئون ، وأي يومي أبي تنقمون؟ يوم إقامته إذ عدل فيكم ، أم يوم ظعنه إذ نظر لكم؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
ثم التفتت إلى الناس فقالت : سألتكم بالله هل أنكرتم مما قلت شيئا؟ قالوا : اللهمّ لا.
أخبرنا أبو غالب وأبو عبد الله ، قالا : أنا أبو جعفر المعدّل ، أنا أبو طاهر المخلّص ، نا أحمد بن سليمان ، نا الزبير بن بكّار ، حدّثني رجل عن عبد الرّحمن بن موسى بن عبد الله ، حدّثني محمّد بن القاسم مولى بني هاشم قال :
بلغ عائشة أن ناسا يتناولون أبا بكر ، فبعثت إلى أزفلة منهم فلما حضروا أسدلت أستارها ثم دنت ، فحمدت الله وأثنت عليه وصلّت على نبيّها صلىاللهعليهوسلم وعدلت وقرعت وقالت : أبي وما أبيه ، والله لا تعطوه الأيدي ذاك طود منيف وفرع مديد ، هيهات كذبت الظنون ، أنجح والله إذ أكديتم ، وسبق إذ (4) ونيتم ، سبق الجواد إذا استولى على الأمد ، فتى قريش ناشئا وكهفها كهلا يفك عانيها ، ويريش مملقها ، ويرأب (5) شعثها حتى حليته (6) قلوبها ثم استبشر في دينه فما برحت شكيمته في ذات الله حتى اتّخذ بفنائه مسجدا يحيي فيه ما أمات المبطلون ، وكان والله غزير الدمعة ، وقيذ الجوارح ، شجيّ النشيج ، فانعصفت (7) إليه نسوان مكة ، وولدانها يسخرون منه ويستهزءون به ، (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) ، وأكبرت ذلك رجالات قريش ، فحيت له قسيّها ، وفوّقت له سهامها ، وامتثلوه غرضا ، فما قلّوا له صفاة ولا قصفوا له قناة ، ومرّ على سيسائه حتى إذا ضرب الدين بجرانه وألقى بركة وأرست أوتاده ودخل الناس فيه
__________________
(1) كذا بالأصل وم ، وفي مختصر ابن منظور 13 / 113 فديخ.
(2) أي أذلها وقهرها.
(3) أي أنهكها بالحرث والزرع.
(4) عن م وبالأصل : إذا.
(5) بالأصل وم : «وبرأت شعبها» والمثبت عن الرواية السابقة.
(6) بالأصل : «حلته» وفي م : «نكلته» والمثبت عن مختصر ابن منظور 13 / 112.
(7) كذا بالأصل وم ، وفي المختصر : فانقصفت.




