مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) - الْجُزْءُ 30 - ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 386 من 460

أنها بلغها أنّ قوما تكلموا في أبيها ، فبعثت إلى أزفلة (1) من الناس ، وعلت وسادتها ، وأرخت ستارتها ثم قالت : أبي وما أبيه ، أي والله لا تعطوه الأيدي ، ذاك طود منيف ، وظل مديد ، هيهات كذبت الظنون ، أنجح والله إذا أكديتم (2) ، وسبق إذ ونيتم ، سبق الجواد إذا استولى على الأمد (3) فتى قريش ناشئا كهفها كهلا ، يريش مملقها (4) ، ويرأب شعبها ، ويلم شعثها حتى حليته قلوبها ، ثم استشرى في دينه فما برحت شكيمته (5) في ذات الله حتى اتّخذ بفنائه مسجدا يحيي فيه ما أمات المبطلون ، وكان رضي‌الله‌عنه غزير الدمعة ، وقيذ الجوانح (6) ، شجي النّشيج ، فانتصبت (7) عليه نسوان أهل مكة وولدانهم يسخرون منه ، ويستهزءون به (8) ، (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ، وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ)(9) ، وأكبرت ذلك رجالات قريش ، فحنت (10) قسيّها وفوّقت (11) سهامها وامتثلوه غرضا فما فلّوا له صفاة ، ولا قصموا له قناة ، ومضى على سيسائه (12) حتى إذا ضرب الدين بجرانه ، ورست أوتاده ودخل الناس فيه أفواجا ، ومن كلّ فرقة أرسالا وأشتاتا اختار الله لنبيّه ما عنده ، فلما قبض الله نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم اضطرب حبل الدين ، ومرج أهله وبغى العوائل ، وظنّت رجال أن قد أكثبت (13) نهزها ، ولات حين يظنون وأتى والصديق بين أظهرهم؟ فقام حاسرا مشمّرا ، فرفع حاشيتيه بطبّه ، وأقام أوده بثقافه حتى أمذقر (14) النفاق فلما انتاش الدين بنعشه وأراح الحقّ على أهله ، وقرّت (15) الرءوس في كواهلها ، وحقن الدماء في أهبها حضرت منيته فسد ثلمته بنظيره في السيرة والمرحمة ،

__________________

(1) الأزفلة : الجماعة من الناس.

(2) يقال : أنجح الله حاجته فنجحت.

وأكديتم يريد إذا خبتم ولم تظفروا.

(3) الأمد : الغاية.

(4) يريش مملقها أي يغنيه ، والمملق : الفقير.

(5) الشكيمة : عزة النفس وأنفتها.

(6) وقيذ الجوانح : الوقيذ العليل الشديد العلة ، والجوانح الضلوع القصار التي تلي الفؤاد.

(7) كذا بالأصل ، واللفظة مهملة بدون نقط في م ، وفي مختصر ابن منظور 13 / 112 فانقصفت.

(8) سقطت من الأصل وأضيفت عن م.

(9) سورة البقرة ، الآية : 15.

(10) عن م وبالأصل : فحدت.

(11) الفوق : موضع الوتر من السهم ، وفوّقت السهم : عملت له فوقا.

(12) سيسائه : سيساء الظهر من الدواب : مجتمع وسطه أي موضع الركوب.

(13) أكثبت نهزها أي قربت فرصها ، والنهز جمع نهزة وهي الفرصة.

(14) امذقرّ النفاق : تلاشى.

(15) عن م وبالأصل : وفروا.

الصفحة 386 من 460