وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾، أَيْ: إِنَّ العِلْمَ الإِلَهِيَّ هُوَ طَعَامُ النُّفُوسِ الطَّاهِرَةِ وَشَرَابُهَا الَّذِي لَا يَزِيلُ صَدَاهَا غَيْرُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فَتِلْكَ إِشَارَةٌ إِلَى الفُسْحَةِ فِي عِلْمِ التَّوْحِيدِ لِطَالِبِ عُلُومِ الحَقِّ بِالتَّرَدُّدِ فِي المَوَالِيدِ، وَهُوَ الَّذِي أَبَاحَ لِلْمُؤْمِنِينَ تَلْقِيحَ أَسْمَاعِهِمْ بِكَلِمَةِ الحَقِّ، لِيَتَذَكَّرُوا وَيَعُودُوا إِلَى الحَقِّ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ عَنْهُ وَنِسْيَانِهِمْ لَهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ إِشَارَةٌ إِلَى تَمَسُّكِ الطَّالِبِ بِالأَيَّامِ الظَّاهِرَةِ مِنَ الصِّيَامِ حَتَّى يَبْلُغَ المُسَافِرُ قَصْدَهُ لِأَنَّ الصِّيَامَ الظَّاهِرَ دُونَ البَاطِنِ.
وَيَقُولُ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي الحَجِّ: قَصْدُهُ: فَرْضٌ عَلَى العَامَّةِ الَّذِينَ وَقَفُوا عِنْدَ ظَوَاهِرِ الأَشْيَاءِ دُونَ حَقَائِقِهَا البَاطِنَةِ، وَلَمْ تَتَعَدَّ بِهِمْ أَفْهَامُهُمْ إِلَى مَظْهَرِ الإِشَارَةِ فِي مُضْمَرِ العِبَارَةِ، فَحُجِبُوا بِالجِدَارِ وَالجَبَلِ عَنْ عِلَّةِ العِلَلِ، وَذَلِكَ مِنَ الآصَارِ المَحْمُولَةِ عَلَيْهِمْ، وَالأَغْلَالِ المَوْضُوعَةِ فِي أَعْنَاقِهِمْ، لِوُقُوفِهِمْ عِنْدَ ظَوَاهِرِ الظَّوَاهِرِ مِنَ الصُّوَرِ، وَانْقِطَاعِهِمْ عَنْ بَوَاطِنِ القَدَرِ.




