وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارٌ بَاكِياً مُطَأْطِئاً مُنْكَسِراً نَادِماً عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ وَاحْتَضَنَهُ وَمَسَحَ دُمُوعَهُ وَقَالَ لَهُ: لَا تَبْكِ يَا عَمَّارُ، إِنْ عَادُوا لَكَ فَعُدْ لَهُمْ مَا قُلْتَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ المُبَارَكَةُ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾(1)
وَقَالَ البَاقِرُ: التَّقِيَّةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَضْطَرُّ إِلَيْهِ ابْنُ آدَمَ، وَقَدْ أَحَلَّ اللهُ لَهُ.
وَقَالَ الرَّسُولُ -عَزَّ عَزُّهُ- : لَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ.
فَالتَّقِيَّةُ مِنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾(2)
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾(3)
نَحْنُ أَمَامَ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ وَلَكِنَّهُ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، أَيْ: إِنَّهُ يُخْفِي عَقِيدَتَهُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَحْفَظَ نَفْسَهُ مِنْ بَطْشِ فِرْعَوْنَ وَجَبَرُوتِهِ، وَلَكِنَّهُ مَا سَكَتَ عَنِ الحَقِّ، وَإِنَّمَا جَاءَ يَنْصُرُ الحَقَّ، وَيَقِفُ إِلَى جَانِبَ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَلَكِنْ بِطَرِيقَتِهِ الخَاصَّةِ.
وَعِنْدَمَا نَقْرَأُ التَّارِيخَ الإِسْلَامِيَّ الصَّحِيحَ بَحْثاً عَنْ مَفْهُومِ التَّقِيَّةِ: نَجِدُ أَنَّ الأَشْخَاصَ الَّذِينَ وَقَفُوا بِوَجْهِ الظُّلْمِ: كَانَتْ مَوَاقِفُهُمْ مُخْتَلِفَةً، فَمِثْلًا:




