قَالَ فَيْلَسُوفُ الطَّائِفَةِ المَكْزونِ:
أُغَالِطُ عَنْهُ عُقُولَ الرِّجَالِ | وَأَقْصِدُ بَدْراً وَادِعَ ذَكَاءِ | |
وَلَوْلَا التَّقِيَّةُ فِي مَذْهَبِي | رَفَضْتُ التُّقَى وَكَشَفْتُ الغِطَاءِ
|
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾(1)
أَيْ: التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهَذَا القَوْلُ أَوْلَى، لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ، وَفِي قِصَّةِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَعْظَمُ دَلِيلٍ عَلَى جَوَازِ التَّقِيَّةِ: كَانَ أَبُو جَهْلٍ يُدِيرُ عَمَلِيَّاتِ التَّعْذِيبِ القَاسِيَةِ ضِدَّ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَأَبِيهِ وَأُمِّهِ، حَتَّى مَاتَ يَاسِرٌ وَمَاتَتْ سُمَيَّةُ تَحْتَ التَّعْذِيبِ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ بِهِمْ وَيَقُولُ: صَبْراً آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَّةُ، وَلَمَّا حَسَّ عَمَّارٌ بِثِقْلِ التَّعْذِيبِ، وَأَنَّهُ لَا جَدْوَى مِنَ الصُّمُودِ أَمَامَ هَؤُلَاءِ الخَوَنَةِ: أَخَذَ طَرِيقَ التَّقِيَّةِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يَذْكُرُ هُبَلَ بِخَيْرٍ (وَهُوَ أَحَدُ أَصْنَامِ قُرَيْشٍ)، وَأَكْرَهُوهُ عَلَى قَوْلِ السُّوءِ فِي حَقِّ الرَّسُولِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، فَأَعْطَاهُمْ مَا أَرَادُوا.
فَوَصَلَ خَبَرُهُ إِلَى الرَّسُولِ وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَفَرَ عَمَّارٌ، فَأَجَابَهُمُ النَّبِيُّ -عَزَّ عَزُّهُ- : كَلَّا إِنَّ عَمَّاراً يَغْمُرُهُ الإِيمَانُ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ.




