ثُمَّ جَاءَ عِيسَى بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَعَاكَسَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ، وَأَشَارَ هُوَ إِلَى نَفْسِهِ ثُمَّ حَلَّلَ السَّبْتَ، وَكَانَ مُوسَى قَدْ قَالَ لَهُمْ: مَنْ حَلَّلَ لَكُمُ السَّبْتَ فَاقْتُلُوهُ، وَلَمَّا حَلَّلَهُ: قَالَ لَهُ اليَهُودُ: حَلَّلْتَ السَّبْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا رَبُّ السَّبْتِ.
ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَهُ عَظَّمُوا الأَحَدَ، لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ فِيهِ قَامَ مِنَ القَبْرِ وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ صَلُّوا إِلَى الشَّرْقِ مُعْتَقِدِينَ التَّوَجُّهَ إِلَيْهِ، لِأَنَّ اليَهُودَ جَعَلُوا وُجُوهَهُمْ إِلَى الشَّرْقِ.
ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ تَكْلِيفاً، وَقَالَ لَهُمْ: مَا حَلَّلْتُمُوهُ فَهُوَ مُحَلَّلٌ، وَمَا حَرَّمْتُمُوهُ فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالقُرْبَانِ وَالخُبْزِ وَالخَمْرِ.
ثُمَّ إِنَّهُ أَظْهَرَ العَجْزَ، فَأَخَذَهُ اليَهُودُ وَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، فَكَذَّبَهُمْ مُحَمَّدٌ -عَزَّ عَزُّهُ- قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾(1)
ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّداً أَتَى بِضِدِّ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وَعَكْسِهَا، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الكَعْبَةِ وَالجِهَادِ وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَتَعْظِيمِهِ، وَحَرَّمَ لَحْمَ الخِنْزِيرِ، وَغَيَّرَ جَمِيعَ ذَلِكَ وَنَسَخَهُ.
وَاللهُ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَأَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ وَيَجْعَلَ فِيهِ طَاعَتَهُ ثُمَّ يَأْمُرَ بِتَغْيِيرِهِ وَتَبْدِيلِهِ، ثُمَّ يَبْعَثَ نَبِيّاً آخَرَ، وَيَأْمُرَهُ أَنْ يَأْمُرَ الخَلْقَ بِشَيْءٍ فِيهِ طَاعَتُهُ




