حُجَّةُ العَارِفِ
لَوْ كَانَ المُرَادُ بِالشَّرَائِعِ ظَاهِرُهَا: لَمَا اخْتَلَفَتْ أَوَامِرُهَا وَنَوَاهِيهَا وَتَحْلِيلُهَا وَتَحْرِيمُهَا، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى القَدِيمِ التَّغْيِيرُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ الَّتِي أَتَى بِهَا مُوسَى قَدْ نَسَخَتْ مَا كَانَ مِنْ قَبْلِهَا مِنْ شَرَائِعَ؟
وَقَدْ أَمَرَ -عَزَّ عَزُّهُ- بِنَسْخِ مَذْهَبِ الصَّابِئَةِ وَالبَرَاهِمَةِ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا بِالكَوَاكِبِ بِأَنْ تُقَرَّبَ لَهَا الذَّبَائِحُ، لِأَنَّ دُخَانَهَا يَصْعَدُ إِلَى الكَوَاكِبِ، وَإِنَّهُمْ بِهَذَا العَمَلِ يَفُوزُونَ، وَكَانَ مَعَهُمْ صُحُفُ إِدْرِيسَ الَّذِي حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي وَصَايَاهُ أَكْلَ البَاقِلِّي وَالفِرَاخِ وَالقَرْعِ.
وَاعْتَكَفَ البَرَاهِمَةُ عَلَى البُدُودِ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ بِهَا يَعْرِفُونَ التَّوَارِيخَ.
فَلَمَّا أَتَى مُوسَى: غَيَّرَ ذَلِكَ وَنَقَضَهُ، وَحَرَّمَ عَلَى اليَهُودِ الشَّحْمَ وَأَلْزَمَهُمْ تَعْظِيمَ السَّبْتِ، وَأَظْهَرَ قِيَامَ الصَّلَاةِ فِي البُرَاقِ، وَالتَّوَجُّهَ إِلَى قُبَّةٍ مِنْ عَهْدِ آدَمَ كَانَ فِيهَا التَّابُوتُ.
فَلَمَّا عَدِمُوا القُبَّةَ: تَوَجَّهُوا إِلَى ذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ القُدْسِ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَجَعَلَ لَهَا أَحْكَاماً وَشُرُوطاً غَيْرَ تِلْكَ الأَحْكَامِ وَالشُّرُوطِ.




