مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل - الجزء 32 - شهاب الدين المرعشي النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 257 من 692

__________________

أيديهم ، بقدر ما هي حق للأغنياء الذين تمتلئ به أيديهم.

ولقد كان الإمام رضي‌الله‌عنه يضع مبدأه هذا كما يضع كل مبادئه موضع التنفيذ السديد ، لا يصرفه عن ذلك تلك الفتن المجنونة حوله ، ولا الحرب المتسعرة ضده.

ترى هل كان لسياسته هذه دور في تألّب الأحقاد عليه وانفضاض الذين كانوا أنصاره بالأمس من حوله. هل لعبت مخاوف المسلمين الذين أثروا ثراء كبيرا ، والذين كانوا في طريقهم إلى الثراء دورا غير منظور في محاربة الخليفة الذي رفع هذا الشعار ، وهذا المبدأ : إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء.

على أي حال ، فقد رحل عن الدنيا الشكل الخارجي للبطل : أما موضوعه الحي ومضمونه النقي ، فقد بقيا غذاء للحقيقة وريا.

وسيظل الإمام حيا في جميع القيم وفي كل الحقائق التي عاش يناضل دونها ، ومات حاملا رأيتها ، سيظل حيا وماثلا في فضائله وعظائمه التي صاغ منها حياة امتدت إلى الثالثة والستين ، والتي أجاد وصفها ضرار بن ضمرة الكناني ، فقال واصفا الإمام : كان بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطلق الحكمة من لسانه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويأنس بالليل ووحشته. كان غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يقلب كفيه ويخاطب نفسه. يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب ، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ، ويبتدئنا إذا أتيناه ، ويأتينا إذا دعوناه. وكنا والله مع قربه منا لا نكاد نكلمه لهيبته ، ولا نبتدئه لعظمته. وكان إذا تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم يعظم أهل الدين ، ويقرب المساكين ، لا يطمع القوى في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله. وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه وقد مثل في محرابه ، قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ويبكى بكاء الحزين ، فكأنى أسمعه وهو يقول : يا دنيا ، يا دنيا ، إلي تعرضت ، أم إليّ تشوقت؟ هيهات هيهات ، غري غيري ، قد أبنتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعمرك قصير وعيشك حقير وخطرك كبير ، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.

لقد كان حظ الإمام مع الناس عاثرا. ولكن حظوظه مع نفسه في طهرها وتقاها ،

الصفحة 257 من 692