مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل - الجزء 32 - شهاب الدين المرعشي النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 216 من 692

__________________

مسهدا ، أو أجرّ في الأغلال مصفدا ، أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد أو غاصبا لشيء من الحطام. وإن لي في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأسوة ، إذ قبضت عنه أطراف الدنيا ، وفطم عن رضاعها ، وزوى عن زخارفها ، وكان يلبس ويطعم أخشن مما ألبس وأطعم. وإن شئت قلت في عيسى بن مريم عليه‌السلام ، فلقد كان يتوسد الحجر ، ويلبس الخشن ، ويأكل الطعام الغليظ ، وكان سراجه بالليل القمر ، ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، ولا طمع يذله ، دابته رجلاه ، وخادمه يداه.

وجاءه بعض الموالي من أهل الكوفة يشكون الولاة وأعوانهم ، فقال لهم : وأين علماؤكم؟ لقد أخذ الله على العلماء ألا يقروا ظالما ولا يسكتوا عن مظلوم.

ثم سألهم عن أعوان الولاة ، فعلم أن الولاة لا يحاسبونهم فقال : يجب على الوالي أن يتعهد أموره ، ويتفقد أعوانه ، حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسيء ، ثم لا يترك أحدهما بغير جزاء ، فإنه إذا ترك أعوانه تهاون المحسن واجترأ المسيء ، وفسد الأمر.

فقال أحد الموالي : سأل الإسكندر حكماء بابل أيها أبلغ عندكم الشجاعة أم العدل؟ فقالوا : إذا استعملنا العدل لم نحتج للشجاعة.

فقال الإمام : يجب على السلطان أن يلزم العدل في ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه ، وفي باطن ضميره لإقامة أمر دينه ، فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان ، ومدار السياسة كلها على العدل والإنصاف ، فلا يقوم سلطان لأهل الإيمان والكفر إلا بهما. والإمام العادل كالقلب بين الجوارح تصلح الجوارح بصلاحه ، وتفسد بفساده.

فقال رجل آخر من الموالي : قال سقراط : ينبوع فرح العالم الملك العادل ، وينبوع حزنهم الملك الجائر. فقال الإمام ضاحكا : حسبكم دلالة على فضيلة العدل أن الجور الذي هو ضده لا يقوم إلا به ، وذلك أن اللصوص إذا أخذوا الأموال واقتسموها بينهم ، احتاجوا إلى استعمال العدل في اقتسامهم ، وإلا أضر ذلك بهم.

فقال رجل ثالث من الموالي : جاء في كتب الهند : رأس الحزم للملك معرفته

الصفحة 216 من 692