مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل - الجزء 32 - شهاب الدين المرعشي النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 214 من 692

__________________

لا أذل لك فتستذليني ، ولا أسلس لك فتقوديني ، وأيم الله لأروضن نفسي رياضة تهش معا إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما أي تفرح بالرغيف من شدة الحرمان وتقنع بالملح مأدوما ، أيأكل على من زاده فيهج فلا قرت إذن عينه ، إذن أصبح بعد السنين المتطاولة كالبهيمة والسائمة طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها وهجرت في الليل غمضها ، حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها ، وتوسدت كفها ، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم ، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم ، وهمهمت بذكر ربهم شفاههم ، وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم (أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

ثم مضى يعظهم : فاتقوا الله عباد الله وبادروا آجالكم بأعمالكم ، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم وتزودوا من الدنيا في الدنيا ما تحفظون به أنفسكم غدا ، فيا لها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة وأن تؤديه أيامه إلى شقوة ، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة ، ولا تقصر به عن طاعة ربه غاية.

وبكى وبكى معه بعض أصحابه مما يسمعون ، فنظر إليهم الإمام ، وما زالت في عينيه الدموع ، فرأى من خلال الدمع صاحبا له قد بنى دارا كبيرة فقال له : لقد اتخذت دارا واسعة ، فما تصنع بهذه الدار في الدنيا أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج. فأجابه صاحبه في حياء وندم : بلى يا أمير المؤمنين. قال الإمام : إن شئت بلغت بها الآخرة : تقرى بها الضيف ، وتصل فيها الرحم ، وتطلع منها الحقوق مطالعها.

وقد حسب بعض المستمعين أنه كرم الله وجهه ، يدعوهم إلى الخروج عما أحل الله من متاع الدنيا ، فترك أحدهم أهله وبنيه ، ولبس مرقعة واعتكف للعبادة ، فدعاه الإمام وقال له : أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى أن الله أحل الطيبات وهو يكره أخذك منها ، لقد علمتكم أن للمؤمن ثلاث ساعات : ساعة يناجى فيها ربه ، وساعة يرمّ معاشه ، وساعة يخلى بين نفسه وبين لذتها فيما يحل ويجمل.

فدع التواضع في الثياب تخوفا  

 

فالله يعلم ما تجن وتكتم  

فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة  

 

عند الإله وأنت عبد مجرم  

الصفحة 214 من 692