مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل - الجزء 32 - شهاب الدين المرعشي النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 213 من 692

__________________

البدن ، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب. ومن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه منها ، ومن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفى رزقه منها.

وألح عليه بعض أصحابه أن يأكل ما طاب ليقوى على القتال فهو لا يأكل إلا رغيفين من خبز الشعير كل يوم ، وأن يكون أحسن الناس مظهرا فهو أمير المؤمنين وإمامهم. فقال : إنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتى آمنة يوم الخوف الأكبر ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القز ، ولكن هيهات أن يغلبني هواى ، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا يجد القرص (الرغيف) ولا عهد له بالشبع أو أبيت مبطانا (ممتلئ البطن) وحولي بطون غرثى (خالية) وأكباد حرى ، أقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في خشونة العيش ، فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها وما خلقت لأترك سدى ، أو أجر حبل الضلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة ، وكأنى بقائلكم يقول : إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازله الشجعان ، ألا وإن الشجرة البرية أصلب عودا ، والروائع الخضرة أرقّ جلودا ، والنباتات البدوية أقوى وقودا وأقل خمودا. وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو ، والذراع من العضد ، وقد كان رسول الله يأكل أخشن مما آكل ويلبس أخشن مما ألبس ، وأنا على سنته حتى ألحق به.

ألا وإن لكل إمام مأموما يقتدي به ويستضيء بنور علمه ، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه (إزار ورداء) ، ومن طعامه بقرصيه (رغيفيه). ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولا أطالبكم به ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، وعفة وسداد ، فو الله ما كنزت من دنياكم تبرا ، ولا ادخرت من غنائمها وفرا ، ولا حزت من أرضها شبرا. بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء ، فشحت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم الحكم الله وما أصنع بفدك وغير فدك. إليك عنى يا دنيا فحبلك على غاربك ، قد انسللت من مخالبك ، وأفلت من حبائلك أغربي عني ، فو الله

الصفحة 213 من 692