مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل - الجزء 31 - شهاب الدين المرعشي النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 534 من 606

وقال أيضا في ص 98 :

__________________

وساق إليهم الحتف لحري أن يمقته الأقرب ولا يأمنه الأبعد».

وطفق ابن العاص ينعته بين أهل الشام بالهزل والدعابة ويأمر بسبه على المنابر حتى وجب رده وإدحاض زعمه ، فقال رضي‌الله‌عنه في بعض خطبه : عجبا لابن النابغة! يزعم لأهل الشام أن في دعابة وأني امرؤ تلعابة : أعانس وأمارس لقد قال باطلا آثما ، أما وشر القول الكذب إنه ليقول فيكذب ، ويعد فيخلف ، ويسأل فيبخل ، ويخون العهد ويقطع الإل ، فإذا كان عند الحرب فأي زاجر وآمر هو ما لم تأخذ السيوف مآخذها ، فإذا كان ذلك كان أكبر مكيدته أن يمنح القوم سبته ، أما والله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت ، وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة ، إنه لم يبايع معاوية حتى شرط أن يؤتيه آتية ويرضخ له على ترك الدين رضيخة.

وكذلك كان يجبه معاوية وغيره بنظائر هذه الكلمات حين يجترئون عليه بما يغض من حقه ويقدح في دعوته ، فلا يشذ عن ديدن الفرسان في روية فكره ولا في بوادر لسانه ، ولكن الفلتات التي من هذا القبيل الشيء واتخاذ السباب صناعة دائمة وسلاحا مشهورا وسبيلا إلى القول الباطل شيء آخر.

ولقد كانت للإمام رضي‌الله‌عنه شواغل أخرى غير الفروسية تجري في مجراها حينا وتبدو غريبة عنها حينا آخر في عرف بعض الناقدين ، ومنها التفقه والنزوع إلى «التصوف» واستنباط حقائق الأشياء.

فهذه في عرف بعض الناقدين ليست من مزاج الفروسية على ظاهر ما قدروه ولكن ما التصوف أو التجرد للحقيقة؟ أليس هو في معدنه جهادا في الحق أو جهادا في الله أليست طبيعة الجهاد وطبيعة الفروسية من معدن واحد؟ ألم نعهد في كل ملة وكل زمان فئات من الناس يجاهدون لأنهم متدينون متنطسون ، أو يتدينون ويتنطسون لأنهم مجاهدون؟ فالإمام علي رضي‌الله‌عنه فارس لا يخرجه من الفروسية فقه الدين بل هو أحرى أن يسلكه فيها ، ولا يخرجه من الفروسية بعض المقال في خصومه بل هي بوادر الفرسان بعينها ، ولا تزال آداب الفروسية بشتى عوارضها هي المفتاح الذي يدار في كل باب من أبواب هذه النفس ، فإذا هو منكشف للناظر عما يليه.

الصفحة 534 من 606