قال بهلول رضياللهعنه : ثم رمق السماء بعينيه وأشار إليها بكفيه ودموعه تنحدر على خديه ، وأنشأ يقول :
يا من إليه المبتهل |
| يا من عليه المتكل |
يا من إذا ما آمل |
| يرجوه لم يخط الأمل |
قال : فلما أتم كلامه خر مغشيا عليه ، فرفعت رأسه إلى حجري ونفضت التراب عن وجهه بكمي ، فلما أفاق قلت له : أي بني ما نزل بك وأنت صبي صغير لم يكتب عليك ذنب. قال : إليك عني يا بهلول ، إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا يتقد لها إلا بالصغار ، وأنا أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم. فقلت له : أي بني أراك حكيما فعظني وأوجز ، فأنشأ يقول :
غفلت وحادي الموت في أثري يحدو |
| فإن لم أرح يوما فلا بد أن أغدو |
أنعّم جسمي باللباس ولينه |
| وليس لجسمي من لباس البلا بد |
كأني به قد مر في برزخ البلا |
| ومن فوقه ردم ومن تحته لحد |
وقد ذهبت مني المحاسن وانمحت |
| ولم يبق فوق العظم لحم ولا جلد |
أرى العمر قد ولى ولم أدرك المنى |
| وليس معي زاد وفي سفري بعد |
وقد كنت جاهرت المهيمن عاصيا |
| وأحدثت أحداثا وليس لها رد |
وأرخيت خوف الناس سترا من الحيا |
| وما خفت من سري غدا عنده يبدو |
بلى خفته لكن وثقت بحلمه |
| وان ليس يعفو غيره فله الحمد |
فلو لم يكن شيء سوى الموت والبلا |
| ولم يكن من ربي وعيد ولا وعد |
لكان لنا في الموت شغل وفي البلا |
| عن اللهو لكن زال عن رأينا الرشد |
عسى غافر الزلات يغفر زلتي |
| فقد يغفر المولى إذا أذنب العبد |
أنا عبد سوء خنت مولاي عهده |
| كذلك عبد السوء ليس له عهد |
فكيف إذا أحرقت بالنار جثتي |
| ونارك لا يقوى لها الحجر الصلد |
أنا الفرد عند الموت والفرد في البلا |
| وابعث فردا فارحم الفرد يا فرد |




