على يد الكاذب ، ومتى لم يقطع بامتناع ذلك انسدّ علينا باب إثبات الفرق بين النبيّ والمتنبي ، وأيضا إذا جاز أن يخلق الله تعالى القبائح جاز أن يكذب في إخباره ، فلا يوثق بوعده ووعيده وإخباره عن أحكام الآخرة والأحوال الماضية والقرون الخالية ، وأيضا يلزم من خلقه القبائح أن يدعو إليها ، وأن يبعث عليها ويحثّ ويرغب فيها ، ولو جاز ذلك جاز أن يكون ما رغب الله تعالى فيه من القبائح ، فتزول الثقة بالشرائع ويقبح التّشاغل بها ، وأيضا لو جاز منه تعالى أن يخلق في العبد الكفر والضلال ويزيّنه له ويصدّه عن الحقّ ويستدرجه (1) بذلك إلى عقابه ، للزم في دين الإسلام جواز أن يكون هو الكفر والضلال ، مع أنه تعالى زينه في قلوبنا ، وأن يكون بعض الملل المتخالفة للإسلام هو الحقّ ، ولكنّ الله تعالى صدّنا عنهم ، وزيّن خلافه في أعيينا ، فإذا جوّزوا ذلك لزمهم تجويز كون ما هم عليه هو من الضلالة والكفر ، وكون ما خصمهم عليه هو الحقّ ، وإذا لم يمكنهم القطع بأنّ ما هم عليه هو الحقّ ، وما خصومهم عليه هو الباطل لم يكونوا مستحقّين للجواب «انتهى».
__________________
(1) يقال : استدرجه ، أى أمهله وافتتن ، روى في البحار عن مشكاة الأنوار بسنده الى سنان بن طريف ، قال : قلت لأبي عبد الله عليهالسلام : خشيت أن أكون مستدرجا قال : ولم؟ قلت : لأني دعوت الله تعالى أن يرزقني دارا فرزقني ودعوت الله أن يرزقني ألف درهم فرزقني ، ودعوته أن يرزقني خادما فرزقني خادما ، قال : فأي شيء تقول ، قال : أقول : الحمد لله ، قال : فما أعطيت أفضل مما أعطيت ، الخبر ، وقال مولانا أمير المؤمنين في نهج البلاغة يا ابن آدم إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره ، وقال : أيها الناس ليراكم الله من النعمة وجلين ، كما يراكم من النقمة فرقين ، انه من وسع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجا فقد أمن مخوفا ، ومن ضيق عليه في ذات يده فلم ير ذلك اختبارا فقد ضيع مأمولا ، انتهى.
فراجع كتب الأحاديث في مسألتى الاستدراج والتمحيص ، ولتقفن هناك على فوائد جمة.




