بالأيدي عن الأنفس لأنّ أكثر أعمالهنّ بها ، ولأنّ العادة قد جرت باضافة الأفعال التي يلابسها الإنسان إلى اليد وإن اكتسبها بجارحة أخرى ، فجرى خطاب الله تعالى على عادتهم ، ولأنّ ذكر اليد يحقّق ويؤيد إضافة الفعل إلى فاعله ، كما ورد في المثل (1) يداك اوكتا وفوك نفخ يعنى يداك لا يدا غيرك ، وفوك لا فو سواك يعنى أنت فعلت بآلتك ، لاستحالة أن يفعل أحد بجارحتك وأما قوله صرّح الله بالكسب في الآية المذكورة فمدخول بما أشرنا إليه سابقا : من أنّ لفظ الكسب في الآية بمعنى آخر غير ما اخترعه الأشاعرة ، لكنهم للفرار عن الجبر اضطروا إلى صرفه عن ظاهره ، وصرفه كصرف (2) الأفعال تارة إلى صرف القدرة نحو الفعل ، وتارة إلى المقارنة والمباشرة ، وتارة إلى المحلّية وتارة إلى اتصاف الفعل بالطاعة أو المعصية ، وشيء من هذه المعاني لم يعهد في اللّغة ، ولا فهم من الكتاب والسنّة كما لا يخفى على من تأمل وأنصف.
قال المصنّف رفع الله درجته
الثاني ما ورد في القرآن من مدح المؤمن على إيمانه ، وذمّ الكافر على كفره ،
__________________
(1) قال في الأساس : اوكت السقاء شده بالوكاء ، وهو الرباط ، وفي المثل يداك اوكتا وفوك نفخ : قال في مجمع الأمثال : وقال المفضل : أصله ان رجلا كان في جزيرة من جزائر البحر فأراد أن يعبر على زق قد نفخ فيه فلم يحسن احكامه حتى إذا توسط البحر فخرجت منه الريح فغرق ، فلما غشيه الموت استغاث برجل فقال له : يداك اوكتا اه يضرب لمن يجنى على نفسه الحين.
(2) هذه الوجوه التي تأولها زعماء الاشاعرة وصرفوا ظواهر الآيات الشريفة إليها وذهب الى كل وجه منها رجل من مشاهيرهم ، وان رمت الوقوف على تفاصيلها فعليك بالمراجعة الى الروضة البهية وشروح المواقف وأربعين الرازي.




