أنّ الإيمان التّصديق الإجمالي بأنّ كلّ ما جاء به فهو حقّ وليس في هذا التّصديق الاجمالي من أبي لهب استحالة ، وأمّا التّصديق التفصيلي فهو مشروط بعلمه بوجود هذا الخبر عينا ولا نسلّم علم أبي لهب به حتّى يلزم المحال ، ولنختم هذا الفصل ببعض المناظرات الجارية في هذا الباب ، قال عدلىّ لصقر المجبّر (1) أكان فرعون يقدر على الإيمان؟ قال : لا ، قيل أفعلم موسى أنّه لا يقدر؟ قال : نعم ، قيل فلم بعثه الله إليه؟! قال سخر به. واجتمع النّظام (2) والنّجار للمناظرة فقال له النّجار : لم تدفع أن يكلّف الله عباده ما لا يطيقون ، فسكت النّظام ، فقيل له لم سكت؟ قال : كنت أريد بمناظرته أن الزمه القول بتكليف ما لا يطاق فإذا التزمه ولم يستحي فما الزمه ، وقال مجبر لعيدان (3) وكان ظريفا : ما دليلك على أن الاستطاعة قبل الفعل؟ قال : الهرة والفارة ، قال أتهزأ بي قال : ما قلت إلا الحق. لو لا أنّ
__________________
(1) هو الصقر بن حبيب البصري المتكلم المتوغل في مسألة الجبر ، صاحب المناظرات في هذا الباب ، روى عن أبى رجاء العطاردي ، نقل ابن حجر عن ابن حبان في حقه ما لفظه : أنه شيخ من اهل البصرة سلولى.
(2) هو أبو اسحق ابراهيم بن سيار بن هاني البصري ابن اخت أبى الهذيل العلاف شيخ المعتزلة في وقته ، عنه أخذ الجاحظ ، وكلماته في الكتب مشهورة ككون الملاك في الصدق والكذب المطابقة مع الاعتقاد وعدمها ، وخلود المرتكب للكبائر في النار ، واشتهر بالنظام لأنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة ، توفى سنة 221 ، وله كتب وتصانيف معروفة ، واليه تنسب النظامية من المعتزلة ، والنظام كشداد كما عرفت ، والمترجم غير النظام بكسر النون النيسابوري صاحب التفسير المشهور وشرح الشافية.
(3) هو رجل مشهور بالظرافة والدعابة والمجون ، وله أقاصيص وحكايات مذكورة في كتب الظرفاء.




