مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الغدير في الكتاب والسنة والأدب - الجزء 9 - الشيخ الأميني النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 53 من 534

ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) (1). وكان على الخليفة أن يبعث إليه باللائمة بل يعاقبه على ما فرّطفي جنب أولياء الله بتسميته إيّاهم السفهاء وهم قرّاء المصر ، وزعماء الملأ ، ونسّاك القطر ، وفقهاء القارة ، وهم القدوة في التقوى والنسك ، وبهم الأُسوة في الفقه والأخلاق ، ولم يكن عليهم إلاّ عدم التنازل لميول ذلك الغلام الزائف ، وعدم مماشاتهم إيّاه على شهواته ومزاعمه ، وهلاّ استشفّ الخليفة حقيقة ما شجر بينه وبين القوم حتى يحكم فيه بالحقّ ، لكنّه بدل أن يتّخذ تلكم الطريقة المثلى في القضيّة استهواه ذلك الشابّ المترف فمال إليه بكلّه ، ونال من القوم ما نال ، وأوقع بهم ما حبّذه له الحبّ المعمي والمصمّ ، لكن الدين وملأه أنكرا ذلك عليه وحفظه التاريخ ممّا نقم به على عثمان.

كانت لائمة معاوية للقوم مزيجها الملاينة لا عن حلم ، وخشونة لا يستمرّ عليها ، كلّ ذلك لم يكن لنصرة حقّ أو ابتغاء إصلاح ، وإنّما كان يكاشفهم جلباً لمرضاة الخليفة ، ويوادعهم لما كان يدور في خلده من هوى الخلافة غداً ، وكان يعرف القوم بالشدّة والمتبوعيّة ، فما كان يروقه قطع خطّ الرجعة بينه وبينهم متى تسنّى له الحصول على غايته المتوخّاة ، وكانت هذه الخواطر لا تبارحه ، ولا يزال هو يعدّ الدقائق والثواني للتوصّل إليها ، وكان أحبّ الأشياء إليه اكتساح العراقيل دونها ، ولذلك أطلق سراح القوم وتثبّط عن النهضة لنصرة عثمان لمّا استنصره كما سيأتي تفصيله حتى قتل ومعاوية في الخاذلين له.

وأمّا ابن خالد فقد جرى مجرى أبيه في الفظاظة والغلظة ، فلم يعاملهم إلاّ بالرعونة ولم يجاملهم إلاّ بالقسوة ، وكلّ إناء بالذي فيه ينضح.

وهاهنا نوقفك على نُبذ من أحوال من يهمّك الوقوف على حياته الثمينة من أولئك الرجال المنفيّين الأبرار ، حتى تعلم أنّ ما تقوّلوه فيهم وفعلوه بهم في منتأىً

__________________

(1) الحجرات : 6.

الصفحة 53 من 534