مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الغدير في الكتاب والسنة والأدب - الجزء 9 - الشيخ الأميني النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 19 من 534

فلم يدع العلم والدين ابن مسعود ومن معه من المؤمنين أن يمرّوا على ذلك المنظر الفجيع دون أن يمتثلوا حكم الشريعة بتعجيل دفن جثمان كلّ مسلم ، فضلاً عن أبي ذر الذي بشّر بدفنه صلحاء المؤمنين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنهضوا بالواجب فأودعوه في مقرّه الأخير والعيون عبرى ، والقلوب واجدة على ما ارتكب من هذا الإنسان المبجّل ، فلمّا هبطوا يثرب نقم على ابن مسعود من نقم على أبي ذر ، فحسب ذلك الواجب الذي ناء به ابن مسعود حوباً كبيراً ، حتى صدر الأمر بجلده أربعين سوطاً ، وذلك أمر لا يُفعل بمن دفن زنديقاً لطمّ جيفته فضلاً عن مسلم لم يبلغ مبلغ أبي ذر من العظمة والعلم والتقوى والزلفة ، فكيف بمثل أبي ذر وعاء العلم ، وموئل التقوى ، ومنبثق الإيمان ، وللعداء مفعول قد يبلغ أكثر من هذا.

أيّ خليفة هذا لم يُراعِ حرمة ولا كرامة لصلحاء الأُمّة وعظماء الصحابة من البدريّين الذين نزل فيهم القرآن ، وأثنى عليهم النبيّ العظيم؟ وقد جاء في مجرم بدريّ (1) قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا قال عمر : إئذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه ، فقال : مهلاً يا ابن الخطّاب إنّه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فإنّي غافر لكم (2). واختلق القوم حديثاً لإدخال عثمان في زمرتهم لفضلهم المتسالم عليه عند الأُمّة جمعاء ، كأنّ الرجل آلى على نفسه أن يُطلّ على الأُمّة الداعية إلى الخير ، الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر ، بالذلّ والهوان ، ويُسرّ بذلك سماسرة الأهواء من بني أبيه ، فطفق بمراده ، والله من ورائهم حسيب.

والمدافع إن أعوزته المعاذير تشبّث بالطحلب فقال (3) : حداه إلى ذلك الاجتهاد! ذلك العذر العام المصحّح للأباطيل ، والمبرّر للشنائع ، والوسيلة المتّخذة لإغراء بسطاء

__________________

(1) هو حاطب بن بلتعة حين كتب إلى كفار قريش كتاباً يتنصّح لهم فيه.

(2) أحكام القرآن : 3 / 535 [3 / 435]. (المؤلف)

(3) راجع : التمهيد للباقلاني : 221 [ص 231] الرياض النضرة : 2 / 145 [3 / 82] ، الصواعق : ص 68 [ص 113] ، تاريخ الخميس : 2 / 268. (المؤلف)

الصفحة 19 من 534