مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الغدير في الكتاب والسنة والأدب - الجزء 8 - الشيخ الأميني النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 464 من 533

فما ظنّك بالرجل الدينيّ الواقف على كلّ هذه الكنوز من كثب؟ وهو يعلم بواسع ما وعاه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المغيّبات ، وممّا يشاهده من نفسيّات القوم ، أنّ تلكم الأموال المكتنزة سوف يُصرَف أكثرها في الدعوة إلى الباطل ، وفي تجهيز العساكر من ناكثي بيعة الإمام الطاهر والخارجين عليه والمزحزحين حليلة المصطفى عن خدرها عن عقر داره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ وفي أُجور الوضّاعين للأحاديث في فضائل بني أُميّة والوقيعة في رجالات أهل البيت عليهم‌السلام ، وفي محرّفي الكلم عن مواضعه ، وفي منائح لاعني مولانا أمير المؤمنين وقاتلي الصلحاء الأبرياء من موالي العترة الطاهرة ، ويُصرف شيء كثير منها في الخمور والفجور ، إلى غير ذلك من وجوه الشرّ.

ما ظنّك بالرجل؟ وفي أُذنه نداء الصادع الكريم : «إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتّخذوا مال الله دولاً ، وعباد الله خولاً ، ودين الله دغلاً». ويرى بين عينيه آل أبي العاص بلغوا ثلاثين وجاؤوا يلعبون بالملك تلاعب الصبيان بالأُكَر ، وقد اتّخذوا مال الله دولا ...

فهل تراه يخفق على ذلك كلّه ، كأنّه لا يبصر ولا يسمع ولا يعلم؟ أو أنّه يُدوّخ العالم بعقيرته؟ ويلفت الأنظار إلى جهات الحكمة ووجوه الفساد؟ عساه يكسح شيئاً من الشرّ الحاضر ، ويسدّ عادية المعرّة المقبلة ، وإنّ أسس هذا الدين الحنيف الدعوة إلى الحقّ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (1).

لقد ناء أبو ذر بهذه المهمّة الدينيّة وهو الذي لا تأخذه في الله لومة لائم ، وما كان يلهج إلاّ بقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) ولم يشذّ في تأويل الآية عمّا يقتضيه ظاهرها ، لأنّ مطمح نظره

__________________

(1) آل عمران : 104.

الصفحة 464 من 533