أمر كان ، ولا سيّما في الدين وعليه ينزّل قوله تعالى في موضعين (1) من الذكر الحكيم : (يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) ويعني في ذلك كما ذكره المفسّرون (2) غلوّ اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم ، وغلوّ النصارى فيه حتى جعلوه ربّا ؛ فالإفراط والتقصير كلّه سيّئة. والحسنة بين السيِّئتين كما قاله مطرف بن عبد الله ، وقال الشاعر :
وأوفِ ولا تستوفِ حقَّكَ كلَّهُ | وصافحْ فلم يستوفِ قطُّ كريمُ | |
ولا تغلُ في شيءٍ من الأمرِ واقتصد | كلا طرفي قصدِ الأُمور ذميمُ |
وقال آخر :
عليكَ بأوساطِ الأُمور فإنَّها | نجاةٌ ولا تركب ذلولاً ولا صعبا |
وقال مولانا أمير المؤمنين : «إنَّ دين الله بين المقصّر والغالي فعليكم بالنمرقة الوسطى فبها يلحق المقصّر ، ويرجع إليها الغالي» (3) غير أنّ من الواجب تعيين الحدِّ الذي لا يجوز في الدين أن يتجاوزه الإنسان لاستلزام الغلوِّ والكذب تارة ، والإغراء بالجهل أخرى ، وبخس الحقوق الواجبة آونة ، لا ما دأبت عليه أمّة من الرمي بالغلوِّ كلّ قائل ما لا يروقها ، وتحدوها العصبيّة العمياء إلى التجهّم أمام القول بما لا يلائم ذوقها ، ومن هذا الباب أكثر ما تُرمى به الشيعة الإماميّة من الغلوِّ لاعتقادهم أو روايتهم فضائل لأئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، وقد طفحت بها الصحاح والمسانيد ، وتدفّقت بنقلها الكتب والمؤلّفات ، حيث لم يُقِم من نَبزَهم به لأئمّة الهدى وزناً تقيمه الحقيقة ويقتضيه مقامهم الأسمى ، ذلك المقام الشامخ المستنبط من الكتاب والسنّة والاعتبار الصحيح والقضايا الخارجية الصادقة المتسالم عليها بين الأمّة ، لو لا أنّ هناك من يتعامى أو يتصامم عن رؤية هذه وسماع هاتيك ، أو تقصر منّته العلمية عن تحليل
__________________
(1) النساء : 171 والمائدة : 77.
(2) تفسير القرطبي : 6 / 21 [ 6 / 16 و 163 ]. (المؤلف)
(3) ربيع الأبرار للزمخشري [ 2 / 63 ]. (المؤلف)




