مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الغدير في الكتاب والسنة والأدب - الجزء 5 - الشيخ الأميني النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 130 من 695

وهذا واضحٌ من سيرة المسلمين الأوّلين ... إلى آخر خرافاته ومخاريقه.

لعلّ القارئ يزعم من شدّة الرجل هذه وحدّته في النكير ، والجلبة واللغط في القول التي هي شنشنةٌ يُعرف بها ابن تيميّة شيخ البدع والضلال والمرجع الوحيد في هذه الخزايات والخزعبلات أنَّ لكلامه مقيلاً من الحقيقة ورمزاً من الصدق ، ذاهلا عن أنَّ أعلام المذاهب الإسلاميّة في القرون الخالية ، منذ القرن الثامن من يوم ابن تيميّة ، وبعده يوم محمد بن عبد الوهاب الذي أعاد لتلكم الدوارس جدّتها وحتى العصر الحاضر ، أنكروا على هذه السفسطات والسفاسف وحكموا بكفر من ذهب إلى هذه الآراء المضلّة والمعتقدات الشاذّة عن سيرة المسلمين ، وشنّوا عليه الغارة وبالغوا في الردّ عليه.

والقارئ جدُّ عليم بأنَّ هذه اللهجة القارصة ليست من شأن من أسلم وجهه لله وهو محسن ، وآمن بالنبيِّ الطاهر ، واعتنق بما جاء به من كتاب وسنّة ، ولا تسوِّغها مكارم الأخلاق ومبادئ الإنسانيّة ، ولا يحبِّذها أدب الإسلام المقدّس ؛ أيجوز لمسلم أن يُسوّي بين مشاهدة الأحجار وبين رؤية النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حال حياته؟ أيسوغ له أن لا يرى لزيارته حيّا وميّتاً قيمة ولا كرامةً ، ولا يعتبر لها فضلاً ما ، وينعق بذلك في الملأ الديني؟ أليس من السيرة المطّردة بين البشر أنَّ كلّ ملّة من الملل تستعظم زيارة كبرائها وزعمائها ، وتراها فضلاً وشرفاً وتعدّها للزائر مفخرةً ومحمدةً ، وتكثر إليها رغبات أفرادها لما يرون فيها من الكرامة ، وقد جرت على هذه سيرة العقلاء من الملل والنحل ، وعليه تصافقت الأجيال في أدوار الدنيا ، وكان يقدِّر الناس سلفاً وخلفاً أعلام الدين بالزيارة والتبرّك بهم ، قال أبو حاتم :

كان أبو مسهر عبد الأعلى الدمشقي الغسّاني المتوفّى (218) إذا خرج إلى المسجد اصطفَّ الناس يسلّمون عليه ويُقبِّلون يده (1).

__________________

(1) تاريخ الخطيب البغدادي : 11 / 73 [رقم 5750]. (المؤلف)

الصفحة 130 من 695