مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الغدير في الكتاب والسنة والأدب - الجزء 4 - الشيخ الأميني النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 448 من 540

ولا تغترر منهمْ بحسنِ بشاشةٍ  

فأكثرُ إيماضِ البوارقِ خُلّبُ  

وأصغِ إلى ما قلتُهُ تنتفعْ به  

ولا تطّرحْ نصحي فإنّي مجرِّبُ  

فما تنكُر الأيّامُ معرفتي بها  

ولا إنّني أدرى بهنّ وأدربُ  

وإنّي لأقوامٍ جذيلٌ محكّكٌ  

وإنّي لأقوامٍ عُذيقٌ مرجّبُ  

عليمٌ بما ترضى المروءةُ والتقى  

خبيرٌ بما آتي وما أتجنّبُ  

حلبتُ أفاويقَ الزمانِ براحةٍ  

تدرُّ بها أخلافُه حين تحلبُ  

وصاحبت هذا الدهَر حتى لقد غدتْ  

عجائبُه من خبرتي تتعجّبُ  

ودوّختُ أقطارَ البلادِ كأنّني  

إلى الريح أُعزى أو إلى الخضر أُنسبُ  

وعاشرتُ أقواماً يزيدون كثرةً  

على الألف أو عدّ الحصى حين يحسبُ  

فما راقني في روضهم قطُّ مرتعٌ  

ولا شاقني في وِردِهم قطُّ مشربُ  

تراني وإيّاهمْ فريقين كلّنا  

بما عنده من عزّة النفسِ معجبُ  

فعندهمُ دنيا وعندي فضيلةٌ  

ولا شكَّ أنّ الفضل أعلى وأغلبُ  

على أنّ ما عندي يدومُ بقاؤه  

عليَّ ويفنى المالُ عنهمْ ويذهبُ  

أُناسٌ مضى صدرٌ من العمرِ عندَهمْ  

أُصعّدُ ظنّي فيهمُ وأُصوِّبُ  

رجوتُ بهم نيلَ الغنى فوجدتُهُ  

كما قيلَ في الأمثالِ عنقاء مغربُ  

وكسّل عزمَ المدحِ بعد نشاطِهِ  

ندى ذمِّه عندي من المدحِ أوجبُ  

كأنّ القوافي حين تُدعى لشكرِهمْ  

على الجمرِ تمشي أو على الشوكِ تُسحبُ  

أفوه بحقٍّ كلّما رمتُ ذمَّهمْ  

وما غيرُ قولِ الحقِّ لي قطُّ مذهبُ  

وأصدق إلاّ أن اريد مديحَهُمْ  

فإنّي على حكمِ الضرورةِ أكذبُ  

ولو علموا صدقَ المدائحِ فيهمُ  

لكانتْ مساعيهمْ تهشُّ وتطربُ  

ولكن دروا أنّ الذي جاء مادحاً  

بغيرِ الذي فيهم يسبّ ويثلبُ  

وما زال هذا الأمرُ دأبي ودأبَهم  

أغالب لومي فيهمُ وهو أغلبُ  

إلى أن أذلّتني الليالي وأعتبتْ  

وما خلتُها بعد الإساءةِ تعتبُ  

فهاجرتُ نحو الصالحِ الملكِ هجرةً  

غدتْ سبباً للأمن وهو المسبّبُ  

الصفحة 448 من 540