مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الغدير في الكتاب والسنة والأدب - الجزء 3 - الشيخ الأميني النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 67 من 558

وإذا اختلف القولان بينه وبين أبناء عصره فأحجى بنا أن نصدّق كلامه هو في أبناء عصره قبل أن نصدّق كلامهم فيه ، لأنّهم كانوا يستبيحون إيذاءه ، ويستسهلون الكذب عليه لغرابة أطواره ، وتعوّد الناس أن يصدّقوا كلّ ما يُرمى به غريبُ الأطوار من التهم والأعاجيب ، في حين أنَّه كان يتحاشى عن تلك التهم ، ويغفر الإساءة بعد الإساءة مخافةً من كثرة الشكاية وعلماً منه بقلّة الإنصاف :

أتاني مقالٌ من أخٍ فاغتفرتُهُ  

وإن كان فيما دونه وجهُ معتب  

وذكّرتُ نفسي منه عند امتعاضِها  

محاسنَ تعفو الذنبَ عن كلِّ مُذنب  

ومثلي رأى الحُسنى بعينٍ جليّةٍ  

وأغضى عن العوراءِ غيرَ مؤنّب  

فيا هارباً من سُخطنا متنصِّلاً  

هربتَ إلى أنجى مفرٍّ ومهرب  

فعذرُكَ مبسوطٌ لدينا مقدَّمٌ  

وودُّك مقبولٌ بأهلٍ ومرحب  

ولو بلَّغَتْني عنك أذني أقمتُها  

لديّ مقام الكاشحِ المتكذِّب  

ولستُ بتقليبِ اللسانِ مصارماً  

خليلي إذا ما القلبُ لم يتقلّب  

فالرجل لم يكن شرّيراً ، ولا رديء النفس ، ولا سريعاً إلى النقمة ، فلما ذا إذن كثر هجاؤه ، واشتدّ وقوعه في أعراض مهجوّيه؟ نظنُّ أنَّه كان كذلك لأنَّه كان قليل الحيلة ، طيّب السريرة ، خالياً من الكيد والمراوغة والدسيسة ، وما شابه هذه الخلائق من أدوات العيش في مثل عصره ، فكان مستغرقاً في فنّه يحسب أنّ الشعر والعلم والثقافة وحدها كفيلةٌ بنجاحه وارتقائه إلى مراتب الوزارة والرئاسة ، لأنَّه كان في زمن يتولّى فيه الوزارة الكتّاب والرواة ، ويجمعون في مناصبهم ألوف الألوف ، ويحظوْن بالزلفى عند الأمراء والخلفاء ، وقد كان هو شاعراً كاتباً ، وكان خطيباً واسع الرواية ، مشاركاً في المنطق والفلَك واللغة ، وكلّ ما تدور عليه ثقافة زمان ، أو كما قال المسعودي : كان الشعر أقلّ أدواته.

وكان الشعر وحده كافياً لجمع المال وبلوغ الآمال ؛ فما ذا بعد أن يعرف الناس

الصفحة 67 من 558