مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الغدير في الكتاب والسنة والأدب - الجزء 3 - الشيخ الأميني النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 66 من 558

آليتُ لا أهجو طوا  

لَ الدهرِ إلاّ من هجاني  

لا بل سأطّرحُ الهجا  

ءَ وإن رماني من رماني  

أمنَ الخلائقُ كُلُّهم  

فليأخذوا منّي أماني  

حِلْمي أعزُّ عليَّ من  

غضبي إذا غضبي عَراني  

أولى بجهلي بعد ما  

مكّنتُ حلمي من عِناني  

وهذا أشبه بابن الرومي لأنَّه في صميمه خُلِق مسالماً سهلاً ، ولم يُخلق شريراً مطويّا على الشكس والعداوة ، بل هو لو كان شرّيراً لما اضطرّ إلى كلّ هذا الهجاء ، أو هو لو كان أكثر شرّا لكان أقلّ هجاءً ، لأنَّه كان يأمن من جانب العدوان فلا يقابله بمثله ، وما كان الهجاء عنده كما قلنا إلاّ سلاح دفاع لا سلاح هجوم ، وما كان هجاؤه يشفُّ عن الكيد والنكاية وما شابههما من ضروب الشرّ المستقرّ في الغريزة ، كما كان يشفُّ عن الحرج والتبرّم والشعور بالظلم الذي لا طاقة له باحتماله ولا باتّقائه ، وكثيرٌ من الأشرار الذين يقتلون ويعتدون ويفسدون في الأرض ، يقضون الحياة دون أن تسمع منهم كلمة ذمٍّ في إنسان ، وكثيرٌ من الناس يذمّون ويتسخّطون لأنّهم على ذلك مطبوعون.

ومن قرأ مراثي ابن الرومي في أولاده ، وأمّه ، وأخيه ، وزوجته ، وخالته ، وبعض أصدقائه ، علم منها أنّها مراثي رجل مفطور على الحنان ورعاية الرحم والأنس بالأصدقاء والإخوان ، فمراثيه هي التي تدلُّ عليه الدلالة المنصفة وليست مدائحه التي كان يمليها الطمع والرغبة ، أو أهاجيه التي كان يمليها الغيظ وقلّة الصبر على خلائق الناس. ففي هذه المراثي تظهر لنا طبيعة الرجل لا تشوبها المطامع والضرورات ، ونرى فيه الولد البارّ ، والأخ الشفيق ، والوالد الرحيم ، والزوج الودود ، والقريب الرؤوف ، والصديق المحزون ، ولا يكون الرجل كذلك ثمّ يكون مع ذلك شرّيراً مغلق الفؤاد ، مطبوعاً على الكيد والإيذاء.

الصفحة 66 من 558