مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الغدير في الكتاب والسنة والأدب - الجزء 3 - الشيخ الأميني النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 61 من 558

ومات وهو يقول في ساعاته الأخيرة :

ألا إنّ لقاء اللهِ  

هولٌ دونه الهولُ  

وما كانت الطِيَرة عنده إلاّ شعبة من ذلك التهيّب الدينيّ الغريزيّ فيه ، فهو يتفلسف ويرى الآراء في الدين ، ولكن في حدودٍ من الشعور لا في حدود من التفكير ، ولهذا كان الفنّان ولم يكن الفيلسوف.

قال الأميني : الطِيَرة ليست من شعب الدين ، ولا يركن إليها أيُّ خاضع له وملء مسامعه قول الصادع به صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا طِيَرة ولا حام». وإنّما هي من ضعف النفس غير المتقوّية بنور اليقين ، والتوكّل على الله في ورد وصدر ، ولذا كانت شائعة في الجاهليّة ونفاها الإسلام.

قال : وليس من الاجتراء أنَّه قال بالاختيار ، ورأى له في الدين رأياً غير ما اصطلح عليه السواد ، فإنّه كان يحيل الذنب على الإنسان ، وينفي الظلم عن القدر في العقاب والثواب ، ويتصوّر الله على أحسن ما يتصوّر المتفلسف مثله إلهه ، فكأنّما جاءه هذا الرأي من محاباة عالم الغيب لا من الاجتراء عليه ، وإنّما دفع به إلى رأي المعتزلة مخاوف الشكوك التي كانت تخامره ، فلا يستريح حتى يسكن فيها إلى قرار ، وينتهي فيها إلى برّ الأمان ، ولذلك كان يأوي إلى الأصدقاء يكاشفهم بما في صدره ، ويستعين بهم على تفريج غمّته :

ويدمجُ أسبابَ المودّة بيننا  

مودّتُنا الأبرارَ من آلِ هاشمِ  

وإخلاصُنا التوحيدَ لله وحدهُ  

وتَذبيبُنا عن دينهِ في المقاومِ  

بمعرفة لا يقرع الشكُّ بابَها  

ولا طعنُ ذي طعنٍ عليها بهاجمِ  

وإعمالنا التفكير في كلِّ شبهة  

بها حجّة تُعيي دُهاة التراجمِ  

يبيت كلانا في رضى الله ماحضاً  

لحجّته صدراً كثير الهماهمِ (1)  

__________________

(1) الهماهم : جمع همهمة ، وهي الكلام الخفيّ.

الصفحة 61 من 558