مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الغدير في الكتاب والسنة والأدب - الجزء 3 - الشيخ الأميني النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 496 من 558

فلمّا رأى سعد امتناعه منه شقّ عليه ، وخضع للرهبان ورفق بهم ، ولم يجيبوه وقالوا : في هذا علينا إثم وعار ونخاف السلطان ، فكان إذا وافى الدير أغلقوا الباب في وجهه ، ولم يدعوا الغلام يكلّمه.

فاشتدّ وجده وازداد عشقه ، حتى صار إلى الجنون ، فخرق ثيابه ، وانصرف إلى داره فضرب جميع ما فيها بالنار ، ولزم صحراء الدير ، وهو عريان يهيم ، ويعمل الأشعار ويبكي.

قال أبو بكر الصنوبريّ : ثمّ عبرت يوماً أنا والمعوج من بستان بتنا فيه فرأيناه جالساً في ظلّ الدير ، وهو عريان وقد طال شعره ، وتغيّرت خلقته ، فسلّمنا عليه ، وعذلناه وعتبناه ، فقال : دعاني من هذا الوسواس ، أتريان ذلك الطائر على هيكل؟ وأومأ بيده إلى طائر هناك. فقلنا : نعم. فقال : أنا وحقِّكما يا أخويَّ أناشده منذ الغداة أن يسقط فأحمِّله رسالة إلى عيسى. ثمّ التفت إليَّ وقال : يا صنوبري معك ألواحك؟ قلت : نعم. قال : اكتب :

بدينِكِ يا حمامةَ ديرِ زَكّي  

وبالإنجيلِ عندَكِ والصليبِ  

قِفي وتحمّلي عنّي سلاماً  

إلى قمرٍ على غُصْنٍ رَطيبِ  

حَماهُ جماعةُ الرهبانِ عنّي  

فقلبي ما يَقِرُّ من الوجيبِ  

عليهِ مسوحُهُ (1) وأضاء فيها  

وكان البدرُ في حُلَل المغيبِ  

وقالوا رابنا إلمامُ سعدٍ  

ولا والله ما أنا بالمريبِ  

وقولي سعدُكَ المسكينُ يشكو  

لهيبَ جوىً أحرَّ من اللهيبِ  

فَصِلْهُ بنظرةٍ لكَ من بعيدٍ  

إذا ما كنتَ تمنعُ من قريبِ  

وإن أنا متُّ فاكتبْ حول قبري  

محبٌّ ماتَ من هجر الحبيبِ  

رقيبٌ واحدٌ تنغيصُ عيشٍ  

فكيف بمن له ألفا رقيبِ  

__________________

(1) المسوح : ما لبس من نسيج الشعر تقشّفاً وقهراً للبدن. جمع مِسح بكسر الميم. (المؤلف)

الصفحة 496 من 558