مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الغدير في الكتاب والسنة والأدب - الجزء 3 - الشيخ الأميني النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 495 من 558

عيسى من أحسن الناس وجهاً ، وأحلاهم قدّا ، وأظرفهم طبعاً ومنطقاً ، وكان يجلس إلينا ويكتب عنّا أشعارنا ، وجميعنا يحبّه ويميل إليه ، وهو حينئذٍ صبيٌّ في الكتّاب ، فعشقه سعد الورّاق عشقاً مبرّحاً وأخذ يعمل فيه الأشعار ، فمن ذلك وقد جلس عنده في دكّانه قوله :

اجعل فؤادي دواةً والمداد دَمي  

وهاكَ فابرِ عظامي موضعَ القَلمِ  

وصيِّرِ اللوحَ وجهي وامْحُهُ بيدٍ  

فإنّ ذلكَ برءٌ لي من السقَمِ  

ترى المعلّم لا يدري بمن كَلَفي  

وأنت أشهرُ في الصبيان من علَمِ  

ثمّ شاع بعشق الغلام في الرُّها خبره ، فلمّا كبر وشارف الائتلاف ، أحبّ الرهبنة وخاطب أباه وأمّه في ذلك ، وألحّ عليهما حتى أجاباه وخرجا به إلى دير زكي بنواحي الرقّة (1) وهو في نهاية حسنه ، فابتاعا له قلاّية (2)) ودفعا إلى رأس الدير جملة من المال عنها ، فأقام الغلام فيها وضاقت على سعد الورّاق الدنيا بما رحبت ، وأغلق دكّانه ، وهجر إخوانه ، ولزم الدير مع الغلام ، وسعد في خلال ذلك يعمل فيه الأشعار ، فممّا عمل فيه وهو في الدير والغلام قد عمل شمّاساً (3) :

يا حُمّةً (4) عَلَتْ غصناً من البانِ  

كأنّ أطرافها أطرافُ ريحانِ  

قد قايسوا الشمسَ بالشمّاسِ فاعترفوا  

بأنّما الشمسُ والشمّاس سيّانِ  

فقل لعيسى بعيسى كم هراقَ دماً  

إنسانُ عينِك من عينٍ لإنسانِ  

ثمّ إنّ الرهبان أنكروا على الغلام كثرة إلمام سعد به ، ونهوهُ عنه وحرموه إن أدخله ، وتوعّدوه بإخراجه من الدير إن لم يفعل ، فأجابهم إلى ما سألوه من ذلك.

__________________

(1) الرقّة كلّ أرض منبسطة جانب الوادي يعلوها الماء وقت المد. ولا يظنّ أنّ الرقّة البلد الذي على شاطئ الفرات ، فإنّ الرُّها بين الموصل والشام. (المؤلف)

(2) القلاّية : مسكن الأسقف.

(3) كلمة سريانية معناها : الخادم. (المؤلف)

(4) الحُمّة : السواد ، يريد بذلك شعر الرأس.

الصفحة 495 من 558