مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الغدير في الكتاب والسنة والأدب - الجزء 3 - الشيخ الأميني النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 357 من 558

حمارهم ، وهكذا علّمت الأمّة دروسها الراقية ، لكنَّ الخضريّ ومن يلفُّ لفّه قد أعشى الجهل أبصار بصائرهم.

لم يكن حسين التضحية يريد ملكاً عضوضاً ، حتى كان خروجه قبل الأُهبة خطأً عظيماً كما يحسبه الخضريُّ ، فيقول بملء فمه : فحيل بينه وبين ما يشتهي وقُتل دونه! ... وإنَّما أراد الفادي الكريم والمجاهد الظافر التضحية في سبيل الدين ؛ ليُعْلِم الأمّة بفظاظة الأمويِّين وقسوة سياستهم ، وابتعادهم عن الناموس البشريِّ فضلاً عن الناموس الدينيِّ ، وتوغّلهم في الغلظة الجاهليّة وعادات الكفر الدفين ؛ ليُعلِم الملأ الدينيّ كيف أنَّهم لم يوقّروا كبيراً ولم يرحموا صغيراً ، ولم يرقّوا على رضيع ، ولم يعطفوا على امرأة ، فقدّم إلى ساحات المفاداة أغصان الرسالة وأوراد النبوّة وأنوار الخلافة ، ولم يُبقِ جوهرة من هاتيك الجواهر الفردة ، فلم يعتم هو ولا هؤلاء إلاّ وهم ضحايا في سبيل تلك الطلبة الكريمة.

سل كربلا كم من حشاً لمحمدٍ  

نُهِبَتْ بها وكم استُجذّت من يدِ  

أقمارُ تمٍّ غالها خسفُ الردى  

واغتالها بصروفِهِ الزمنُ الردي  

وما كان حسين العظمة بالذي تذهب أعماله أدراج الرياح ، لما هو المعلوم بين أمّة جدِّه من شموخ مكانته ، ورفعة مقامه ، وعلمه المتدفِّق ، ورأيه الأصيل ، وعدله الواضح ، وتقواه المعلومة ، وأنَّه ريحانة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المستقي من تيّار فضله ، فلن تجد بين المسلمين من ينكر عليه شيئاً من هذه المآثر وإن كان ممّن لا يدين بخلافته ، فما كانت الأمّة تفوه بشيءٍ حول نهضته القدسيّة قبل التنقيب والنظر ، وقد نقّبوا وتروّوا فيها ، فوجدوها طبقاً لصالح المجتمع ، فلم يُسمع من أحدهم غير تقديس أو إكبار ، ولذلك لم تسمع أذن الدهر من أيّ أحدٍ ما تجرّأ به الخضريُّ بقوله : أخطأ.

(إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً) (1).

__________________

(1) المجادلة : 2.

الصفحة 357 من 558