مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الغدير في الكتاب والسنة والأدب - الجزء 2 - الشيخ الأميني النجفي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 494 من 530

فلم يزل يحمل حتى انتهى إلى معاوية والذين بايعوه على الموت ، فأمرهم أن يصمدوا لعبد الله بن بُديل ، وبعث إلى حبيب بن مَسلَمة الفهري وهو في الميسرة ، أن يحمل عليه بجميع من معه ، واختلط الناس واضطرم الفيلقان ؛ ميمنة أهل العراق وميسرة أهل الشام ، وأقبل عبد الله بن بُديل يضرب الناس بسيفه قُدُماً ، حتى أزال معاوية عن موقفه وجعل ينادي : يا ثارات عثمان! وإنّما يعني أخاً له قُتل ، وظنَّ معاوية وأصحابه أنّه يعني : عثمان بن عفان ، وتراجع معاوية عن مكانه القهقرى كثيراً ، وأرسل إلى حبيب بن مسلَمة مرّة ثانية وثالثة يستنجده ويستصرخه ، ويحمل حبيب حملة شديدة بميسرة معاوية على ميمنة العراق ، فكشفها حتى لم يبق مع ابن بُديل إلاّ نحو مائة إنسان من القرّاء ، فاستند بعضهم إلى بعض يحمون أنفسهم ، ولجَّ ابن بُديل في الناس ، وصمّم على قتل معاوية ، وجعل يطلب موقفه ، ويصمد نحوه حتى انتهى إليه ، ومع معاوية عبد الله بن عامر واقفاً ، فنادى معاوية بالناس : وَيْلَكم ؛ الصخر والحجارة إذا عجزتم عن السلاح. فرضخه الناس بالصخر والحجارة ، حتى أثخنوه فسقط ، فأقبلوا عليه بسيوفهم فقتلوه.

وجاء معاوية وعبد الله بن عامر حتى وقفا عليه ؛ فأمّا عبد الله بن عامر فألقى عمامته على وجهه وترحّم عليه وكان له من قبلُ أخاً وصديقاً ، فقال معاوية : اكشف عن وجهه. فقال : لا والله لا يُمثَّل به وفيَّ روح ، فقال معاوية : اكشف عن وجهه فإنّا لا نُمثِّل به ؛ قد وهبناه لك. فكشف ابن عامر عن وجهه فقال معاوية : هذا كبش القوم وربّ الكعبة ، اللهمّ أظفِرني بالأشتر النخعي والأشعث الكندي! والله ما مثل هذا إلاّ كما قال الشاعر (1)

أخو الحرب إن عضّت به الحربُ عضّها  

وإن شمّرَتْ عن ساقِها الحربُ شمّرا  

ويحمي إذا ما الموت كان لقاؤه  

قِدى الشِّبْر (2) يحمي الأنف أن يتأخّرا  

__________________

(1) هو حاتم الطائي من قصيدة في ديوانه : ص 121 [ص 49] ، ولم يُرْوَ فيه البيت الثالث. (المؤلف)

(2) قِدى الشبر : قدره.

الصفحة 494 من 530